قيل: أيراد بذلك أنهم يهتدون ويتعظون، أم انهم يهدون ويعظون؟
قيل: يحتمل الوجهين، ويضحّ حمله عليهما، فهم
في الحقيقة يهتدون به ويتعظون، ويهدون به غيرهم ويعظون.
قوله تعالى: (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)
الوَهن والوهْي يتقاربان، لكن الوهْن ضعف، والوهْي يقال فيه وفي التخرق، فهو أعم.
والحزن: ألم موجع للنفس من فوت مطلوب أو فقد محبوب.
إن قيل: كيف أُمِرَ
الإِنسان بأن لا يهن ولا يحزن، وليس ذلك باختياره، بل هو شيء
يعرض له بالاضطرار؟
قيل: النهي في الحقيقة متوجه إلى تعاطي فعل ما يورث ذلك، وإن كان في اللفظ متناولا للحزن والوهن، وذلك أن الحزن يعرض بأن لا يستشعر الإِنسان ما عليه جُبلت الدنيا.
ولا يعرف أن أموالنا وأبداننا عارية مستردَّة، ولا يحتمل صغار
المكاره، فيتوصل بها إلى احتمال ما هو أعظم منها، وعلى هذا
قوله: (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ).
وقوله: (وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ): قيل: عنى في الاستقبال إشارة إلى
نحو قوله: (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)، فيكون هذا وعداً لهم،
وقيل: أراد في الحال فإنهم الأعلون بالحجة ورجاء المعفرة.
إشارة إلى نحو قوله: (إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ) ومثله: (لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى).
وسبب نزول ذلك، قيل: هو أن النبي - ﷺ -
أمر بطلب القوم بعد يوم أحد، وقال: "لا يخرج معنا إلا من شهدنا
بالأمس "، فاشتد على المسلمين، وقالوا: فينا جرحى، فأنزل الله
تعالى ذلك، ونبَّه بقوله: (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) أن من شرط
تفسير الراغب الأصفهاني
أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى
هند بنت محمد سردار