١٣٩ - قوله تعالى: وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا الآية.
قالَ الزُهْرِيُّ (١)، وقتادة (٢)، وابن أبي نَجِيح (٣): هذه الآية تَسْلِيَةٌ مِن الله -تعالى- للمسلمين، لِمَا نالَهُمْ يومَ أُحُد مِنَ القتل والجَرْح.
ومعنى وَلَا تَهِنُوا: لا تضْعُفُوا. والوَهْنُ (٤): الضَعْفُ في العَمَلِ، وفي العَظْمِ. يقال: (وَهِنَ (٥)، يَهِن، وَهْنًا)، فهو (واهِنٌ): إذا ضَعُفَ في العمل. و (مَوْهُونٌ) في العَظمِ والبَدَنِ، و (وهِنَ وَهَنًا)، لُغَةٌ (٦). و (أَوْهَنَهُ اللهُ) (٧)، فهو (مَوْهُونٌ)؛ مثل: (أَحَمَّهُ)، فهو (مَحْمُوم)، و (أزْكَمَه) فهو (مَزْكُوم) (٨). ومنه قول طَرَفَة:
وقول الزهري، في "تفسير الطبري" ٤/ ١٠٢.
(٢) قوله، في: "تفسير الطبري" ٤/ ١٠٢، و"تفسير ابن أبي حاتم" ٣/ ٧٧٠.
(٣) قوله هذا يرويه عن مجاهد، وهو في: "تفسير مجاهد" ١٣٦، و"تفسير الطبري" ٤/ ١٠٢، و"تفسير ابن أبي حاتم" ٣/ ٧٧٠.
(٤) من قوله: (والوهن..) إلى (.. وهَنا لغة): نقله -بتصرف واختصار- عن: "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٩٦٦ (وهن).
(٥) هكذا جاءت في (أ): (وَهِنَ) -بكسر الهاء-. وفي (ب)، (ج): مهملة من الشكل. وفي "التهذيب" (وَهَنَ) -بفتح الهاء- وقد وردت الكلمة في مصادر اللغة بالحركات الثلاث (فتح الهاء وكسرها وضمها). انظر مادة (وهن) في: "الصحاح" ٢٢١٥، و"التاج" ١٨/ ٥٧٩.
(٦) في (أ): (وَهْنًا) بتسكين الهاء وفي (ب)، (ج): مهملةٌ غير مشكولة. والمثبت هو الصواب. انظر: "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٩٦٦ (وهن).
(٧) من قوله: (وأوهنه الله..) إلى نهاية شطر بيت الشعر: (.. فقر): نقله -بتصرف يسير- عن "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٩٦٧ (وهن).
(٨) انظر (وهن) في: "جمهرة اللغة" ٩٩٦، و"الصحاح" ٢٢١٥ - ٢٢١٦، و"التاج" ١٨/ ٥٧٩.
إنَّنِي لَسْتُ بِمَوْهُونٍ فَقِرْ (١)
قال المفسِّرُون: وَلَا تَهِنُواْ عن جهاد عدوِّكم، بما نالَكُم مِنَ الهزيمة (٢)، وَلَا تَحْزَنُوا على ما فاتكم من الغَنِيمَةِ (٣)؛ فإنَّكم وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ؛ أي: لكم تكون العاقِبَةُ بالنَصْرِ والظَّفَرِ.
وإذا تَلْسُنُنِي ألسُنُها
وهو في: ديوانه: ٥٣، وورد منسوبًا له في: "التهذيب" ٤/ ٣٩٦٧ (وهن)، و"الصحاح" ٢٢١٥ (وهن)، و"اللسان" ٦/ ٤٤٥ (فقر)، ٧/ ٤٠٣٠ (لسن)، ٨/ ٤٩٣٥ (وهن).
ومعنى (تلسُنُني)؛ أي: تأخذني بلسانها، يقال: (لَسَنَه لَسْنًا): إذا أخذه بلسانه. انظر: "اللسان" ٧/ ٤٠٣٠ (لسن).
والمَوْهون: هو الذي أصابه وَجَعُ (الواهنة)، وهو وَجَعٌ يصيب العِرْق المستبطن حبْل العاتق إلى الكتف. انظر: "التهذيب" ٤/ ٣٩٦٧ (وهن).
والفَقِر: الذي يشتكي من فَقَارِهِ. انظر: "اللسان" ٦/ ٤٤٥ (فقر).
(٢) انظر: "تفسير الطبري" ٤/ ١٠٢ - ١٠٣، و"تفسير ابن أبي حاتم" ٣/ ٧٧١.
(٣) في (ج): (القسمة). لم أقف على من قال بأنهم نُهُوا عن الحزن على ما فاتهم من الغنيمة. وقد ذكر هذا القول الثعلبي في "تفسيره" ٣/ ١٢٢ ب. وصدَّره -مع القول السابق- بقوله: (وقيل:..). ولم يبين القائل.
وأورده ابن الجوزي في "الزاد" ١/ ٤٦٦ وقال: (ذكره علي بن أحمد النيسابوري) يعني: المؤلف (الواحدي).
ويرى مقاتل أنهم نُهوا عن الحزن على ما أصابهم من هزيمة يوم أحد. انظر: "تفسيره" ١/ ٣٠٣. ويرى الماوردي أنهم نهوا عن الحزن على ما أصاب النبي - ﷺ - من شَجِّه، وكَسْرِ رَبَاعِيَتِهِ. انظر: "النكت والعيون" ١/ ٤٦٦.
وقيل: نُهُوا عن الحزن على مَن قُتِل من إخوانهم من المسلمين. ونسبه ابن الجوزي لابن عباس. انظر: "زاد المسير" ١/ ٤٦٦.
قال ابن عباس (١): يريد: في الدنيا والآخرة.
وقوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يعني: أَنَّ الإيمانَ يُوجِب ما ذكر مِن تَرْكِ الوَهْنِ والحُزْن. فقيلَ: إنْ كُنتم مؤمنين؛ فَلا تَهِنوا ولا تحزنوا؛ أي (٢): من كان مؤمنًا فيجب ألّا (٣) يَهِنَ، ولا يَحْزَن؛ لثقته باللهِ -جل وعَزَّ-. وإلى هذا أَشَار ابنُ عبَّاس، فقال (٤) في قوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يريد: مُصَدِّقِينَ؛ تحريضًا مِنَ اللهِ تعالى لهم.
وفيه وجْه آخر، وهو: أن (٥) المعنى: إنْ كنتم مؤمنين بِصِدْق (٦) وَعْدِي إيَّاكُمْ بالنَصر؛ حتى تَسْتَعْلُوا على عَدُوِّكُم، وتَظْفَرُوا بِبُغْيَتِكُم.
وفي قوله: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وجهان:
أحدهما: أنه في موضعُ الحَال؛ كأنَّهُ قيل: لا تَحْزَنوا عَالِينَ؛ أي: منصورين على عَدُوِّكُم (٧) بالحُجَّةِ (٨).
الثاني: أنه اعتراضٌ بِوَعْدٍ مؤكد؛ كأنه قيل: ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا إنْ كُنْتُم مؤمنين، وأنتم الأَعْلَوْن (٩).
(٢) في (ج): (إلى).
(٣) في (ب): (أن لا).
(٤) لم أقف على مصدر قوله.
(٥) (أن): ساقطة من (ج).
(٦) في (ج): (لصدق).
(٧) (على عدوكم): ساقطة من (ج).
(٨) انظر: "البيان"، للأنباري ١/ ٢٢٢، و"الدر المصون" ٣/ ٤٠١.
(٩) انظر: "الفريد في إعراب القرآن المجيد" ١/ ٦٣٣.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي