وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ١٦١ أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللّهِ كَمَن بَاء بِسَخْطٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ١٦٢ هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللّهِ واللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ١٦٣ لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ( آل عمران : ١٦١-١٦٤ ).
تفسير المفردات : الغل : الأخذ خفية كالسرقة ثم غلب استعماله في السرقة من المغنم قبل القسمة و يسمى الغلول أيضا و توفى كل نفس ما كسبت أي تعطى جزاء ما عملت تاما وافيا
المعنى الجملي : بعد أن حث عز اسمه فيما سلف الجهاد و بين مصير المجاهد في سبيله –أتبعه هنا بذكر أحكام الجهاد ومن جملتها الكف عن الغلول.
روى الكلبي و مقاتل : أن هذه الآية نزلت حين ترك الرماة المركز الذي وضعهم فيه النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد طلبا للغنيمة و قالوا نخشى أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم من أخذ شيئا من مغنم فهو له و ألا يقسم الغنائم كما لم يقسمها يوم بدر فقال لهم عليه الصلاة و السلام " ألم أعهد إليكم ألا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري ؟ " فقالوا : تركنا بقية إخواننا وقوفا فقال لهم :" بل ظننتم أنا نغل و لا نقسم "
الإيضاح : وما كان لنبي أن يغل أي ما كان من شأن أي نبي و لا من سيرته أن يغل لأن الله عصم الأنبياء منه فهو لا يليق بمقامهم و لا يقع منهم لأن النبوة أعلى المناصب الإنسانية فصاحبها لا يرغب فيما فيه دناءة و خسة.
ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة أي وكل من يقع منه غلول يأتي بما غل به يوم القيامة حاملا له ليفتضح أمره و يزيد به في عذابه.
أخرج البخاري و مسلم عن أبي هريرة قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا فذكر الغلول و عظمه و عظم أمره ثم قال :
" ألا لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء فيقول يا رسول الله أغثني فأقول له لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس لها حمحمة فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك " و جعل بعض العلماء هذا الحديث من قبيل التمثيل فشبهت حال الغال بما يرهقه من أثقال ذنبه و فضيحته به مع من فقد الناصر و المغيث – بحال من يحمل ذلك على عاتقه و يقصد أرجى من يمكنه أن يغيثه فيخذله و يتنصل من إغاثته و مازال الناس يشبهون الأثقال المعنوية بالأثقال الحسية و يعبرون عن ذلك بالحمل كما قال تعالى : اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُم بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُم مِّن شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ ( العنكبوت : ١٢-١٣ ).
و قال أبو مسلم الأصفهاني : إن الإتيان في الآية معناه : أن الله يعلمه أتم العلم و ينكشف له أوضح انكشاف فالمراد أن كل غلول و خيانة خفية يعلمه الله مهما خفي و يظهره يوم القيامة للغال حتى يعرفه كمعرفة من أتى بشيء يوصله إلى غيره كما جاء في قوله تعالى حكاية عن لقمان : يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ( لقمان : ١٦ ) فليس معنى الإتيان هنا أنه يحملها بل يعلم بها مهما كانت مستترة لأن من يأتي بالشيء لا بد أن يكون عالما به.
ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون أي ثم بعد أن يأتي الغال بما غل فيتمثل له كأنه حاضر بين يديه ينال جزاء ما كسب مستوفى تاما لا ينقص منه شيء كما قال تعالى : وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ( الكهف : ٤٩ ).
و جاء حكم التوفية في الجزاء عاما لكل كاسب وإن كان الكلام في جزاء الغال فحسب – ليكون كالدليل على المقصود من استيفائه الجزاء فإنه إذا كان كل كاسب مجزيا بعمله لا ينقص منه شيء و إن كان جرمه حقيرا فالغال مع عظم جرمه أولى بذلك.
المعنى الجملي : بعد أن حث عز اسمه فيما سلف الجهاد و بين مصير المجاهد في سبيله –أتبعه هنا بذكر أحكام الجهاد ومن جملتها الكف عن الغلول.
روى الكلبي و مقاتل : أن هذه الآية نزلت حين ترك الرماة المركز الذي وضعهم فيه النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد طلبا للغنيمة و قالوا نخشى أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم من أخذ شيئا من مغنم فهو له و ألا يقسم الغنائم كما لم يقسمها يوم بدر فقال لهم عليه الصلاة و السلام " ألم أعهد إليكم ألا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري ؟ " فقالوا : تركنا بقية إخواننا وقوفا فقال لهم :" بل ظننتم أنا نغل و لا نقسم "
تفسير المراغي
المراغي