الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون"، أي: إن ينصرك الله فلا غالب لك من الناس = لن يضرك خذلان من خذلك، وإن يخذلك فلن ينصرك الناس ="فمن الذي ينصركم من بعده"، أي: لا تترك أمري للناس، وارفض [أمر] الناس لأمري، وعلى الله، [لا على الناس]، فليتوكل المؤمنون. (١)
* * *
القول في تأويل قوله: وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ
اختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته جماعة من قرأة الحجاز والعراق: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ)، بمعنى: أن يخون أصحابه فيما أفاء الله عليهم من أموال أعدائهم. واحتجَّ بعض قارئي هذه القراءة: أنّ هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ في قطيفة فُقدت من مغانم القوم يوم بدر، فقال بعض من كان مع النبي صلى الله عليه وسلم:"لعل رسول الله ﷺ أخذها! "، ورووا في ذلك روايات، فمنها ما:-
٨١٣٦- حدثنا به محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب قال، حدثنا عبد الواحد بن زياد قال، حدثنا خصيف قال، حدثنا مقسم قال، حدثني ابن عباس: أن هذه الآية:"وما كان لنبيّ أن يغل"، نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر، قال: فقال بعض الناس: أخذها! قال: فأكثروا في ذلك، فأنزل الله عز وجل:"وما كان لنبي أن يغل ومن يغلُل يأت بما غل يوم القيامة". (٢)
٨١٣٧- حدثنا ابن أبي الشوارب قال، حدثنا عبد الواحد قال، حدثنا
(٢) الأثر: ٨١٣٦-"محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب القرشي الأموي"، روى عنه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه، قال النسائي: "لا بأس به"، وهو ثقة جليل صدوق. و"عبد الواحد بن زياد العبدي" أحد الأعلام سلفت ترجمته في: ٢٦١٦. و"خصيف بن عبد الرحمن الجزري"، رأى أنسًا، وروي عن عطاء، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومجاهد، ومقسم وغيرهم. قال أحمد"ضعيف الحديث"، وقال: "شديد الاضطراب في المسند". وقال ابن عدي: "إذا حدث عن خصيف ثقة، فلا بأس بحديثه". وقال ابن حبان: "تركه جماعة من أئمتنا واحتج به آخرون، وكان شيخًا صالحًا فقيهًا عابدًا، إلا أنه كان يخطئ كثيرًا فيما يروى، وينفرد عن المشاهير بما لا يتابع عليه، وهو صدوق في روايته، إلا أن الإنصاف فيه، قبول ما وافق الثقات، وترك ما لم يتابع عليه". مترجم في التهذيب.
والحديث رواه الترمذي في باب تفسير القرآن، من طريق قتيبة، عن عبد الواحد بن زياد، بمثله وقال: "هذا حديث حسن غريب"، وقد روى عبد السلام بن حرب عن خصيف نحو هذا، وروى بعضهم هذا الحديث عن خصيف عن مقسم، ولم يذكر فيه ابن عباس" - يعني مرسلا. ونسبه ابن كثير في تفسيره ٢: ٢٧٩، إلى أبي داود أيضًا، ونسبه السيوطى في الدر المنثور ٢: ٩١ إلى أبي داود، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والترمذي، وابن جرير.
خصيف قال، سألت سعيد بن جبير: كيف تقرأ هذه الآية:"وما كان لنبي أن يغُل" أو:"يُغَل"؟ قال: لا بل"يَغُل"، فقد كان النبي والله يُغَل ويقتل.
٨١٣٨- حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد قال، حدثنا عتاب بن بشير، عن خصيف، عن مقسم، عن ابن عباس:"وما كان لنبي أن يغل"، قال: كان ذلك في قطيفة حمراء فقدت في غزوة بدر، فقال أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم:"فلعل النبي أخذها"! فأنزل الله عز وجل:"وما كان لنبي أن يغُل" = [قال سعيد: بلى والله، إنّ النبي ليُغَلّ ويُقتل]. (١)
٨١٣٩- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا خلاد، عن زهير، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كانت قطيفة فقدت يوم بدر، فقالوا:"أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم! ". فأنزل الله عز وجل:"وما كان لنبيّ أن يغُلّ".
٨١٤٠- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا مالك بن إسماعيل قال، حدثنا زهير قال، حدثنا خصيف، عن سعيد بن جبير وعكرمة في قوله:"وما كان لنبي أن يغل"، قالا يغُل = قال قال عكرمة أو غيره، عن ابن عباس، قال = كانت قطيفة فقدت يوم بدر، فقالوا: أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم"! قال: فأنزل الله هذه الآية:"وما كان لنبي أن يغل".
٨١٤١- حدثنا مجاهد بن موسى قال، حدثنا يزيد، قال، حدثنا قزعة بن سويد الباهلي، عن حميد الأعرج، عن سعيد بن جبير قال: نزلت هذه الآية:"وما كان لنبي أن يغل"، في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر من الغنيمة. (١)
٨١٤٢- حدثنا نصر بن علي الجهضمي قال، حدثنا معتمر، عن أبيه، عن سليمان الأعمش قال: كان ابن مسعود يقرأ: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يُغَلَّ)، فقال ابن عباس: بلى، ويُقْتَل = قال: فذكر ابن عباس أنه إنما كانت في قطيفة قالوا: إن رسول الله ﷺ غَلَّها، يوم بدر. فأنزل الله:"وما كان لنبيّ أن يَغُل".
* * *
وقال آخرون ممن قرأ ذلك كذلك، بفتح"الياء" وضم"الغين": إنما نزلت هذه الآية في طلائع كان رسول الله ﷺ ووجَّههم في وجه، ثم غنم النبي ﷺ فلم يقسم للطلائع، فأنزل الله عز وجل هذه الآية على نبيه صلى الله عليه وسلم، يعلمه فيها أن فعله الذي فعله خطأ، وأنّ الواجب عليه في الحكم أن يقسم للطلائع مثل ما قسم لغيرهم، ويعرِّفه الواجبَ عليه من الحكم فيما
أفاء الله عليه من الغنائم، وأنه ليس له أن يخصّ بشيء منها أحدًا ممن شهد الوقعة - أو ممن كان رِدْءًا لهم في غزوهم - دون أحد. (١)
*ذكر من قال ذلك:
٨١٤٣- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله:"وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غلَّ يوم القيامة"، يقول: ما كان للنبي أن يقسم لطائفة من المسلمين ويترك طائفة ويجور في القَسْم، ولكن يقسم بالعدل، ويأخذ فيه بأمر الله، ويحكم فيه بما أنزل الله. يقول: ما كان الله ليجعل نبيًّا يغلُّ من أصحابه، فإذا فعل ذلك النبي ﷺ استنُّوا به. (٢)
٨١٤٤- حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك: أنه كان يقرأ:"ما كان لنبي أن يغلَّ"، قال: أن يعطي بعضًا، ويترك بعضًا، إذا أصاب مغنمًا.
٨١٤٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك قال: بعث رسول الله ﷺ طلائع، فغنم النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يقسم للطلائع، فأنزل الله عز وجل:"وما كان لنبيّ أن يغل".
٨١٤٦- حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك:"ما كان لنبي أن يغل"، يقول: ما كان لنبيّ أن يقسم لطائفة من أصحابه ويترك طائفة، ولكن يعدل ويأخذ في ذلك بأمر الله عز وجل، ويحكم فيه بما أنزل الله.
٨١٤٧- حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا
(٢) الأثر: ٨١٤٣- هذا إسناد دائر في التفسير، وانظر الكلام فيه برقم: ٣٠٥.
جويبر، عن الضحاك في قوله:"ما كان لنبي أن يغل"، قال: ما كان له إذا أصاب مغنمًا أن يقسم لبعض أصحابه ويدع بعضًا، ولكن يقسم بينهم بالسوية.
* * *
وقال آخرون ممن قرأ ذلك بفتح"الياء" وضم"الغين": إنما أنزل ذلك تعريفًا للناس أنّ النبيّ ﷺ لا يكتم من وحي الله شيئًا.
*ذكر من قال ذلك:
٨١٤٨- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"وما كان لنبيّ أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفي كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون"، أي: ما كان لنبيّ أن يكتم الناس ما بعثه الله به إليهم عن رهبة من الناس ولا رغبة، ومن يعمل ذلك يأت به يوم القيامة. (١)
* * *
قال أبو جعفر: فتأويل قراءة من قرأ ذلك كذلك: ما ينبغي لنبي أن يكون غالا - بمعنى أنه ليس من أفعال الأنبياء خيانة أممهم.
* * *
يقال منه:"غلّ الرجل فهو يغُلُّ"، إذا خان،"غُلولا". ويقال أيضًا منه:"أغلَّ الرجل فهو يُغِلُّ إغلالا"، كما قال شريح:"ليس على المستعير غير المغِلِّ ضمَان"، يعني: غير الخائن. ويقال منه:"أغلّ الجازر"، إذا سرق من اللحم شيئا مع الجلد. (٢)
* * *
وبما قلنا في ذلك جاء تأويل أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:
٨١٤٩- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا
(٢) يعني عند سلخ الذبيحة، يسلخها فيترك شيئًا من اللحم ملتزقًا بإهابها.
أسباط، عن السدي:"ما كان لنبي أن يغل"، يقول: ما كان ينبغي له أن يخون، فكما لا ينبغي له أن يخون فلا تخونوا.
٨١٥٠- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"ما كان لنبي أن يغل"، قال: أن يخون.
* * *
وقرأ ذلك آخرون: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يُغَلَّ) بضم"الياء" وفتح"الغين"، وهي قراءة عُظم قرأة أهل المدينة والكوفة.
* * *
واختلف قارئو ذلك كذلك في تأويله.
فقال بعضهم: معناه: ما كان لنبي أن يَغُلّه أصحابه، ثم أسقط"الأصحاب"، فبقي الفعل غير مسمًّى فاعله. وتأويله: وما كان لنبيّ أن يُخان.
*ذكر من قال ذلك:
٨١٥١- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عوف، عن الحسن أنه كان يقرأ:"وما كان لنبيّ أن يُغَل" قال عوف، قال الحسن: أن يخان.
٨١٥٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"وما كان لنبي أن يغل"، يقول: وما كان لنبي أن يغله أصحابه الذين معه من المؤمنين - ذكر لنا أن هذه الآية نزلت على النبي ﷺ يوم بدر، وقد غَلَّ طوائف من أصحابه.
٨١٥٣- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله:"وما كان لنبي أن يُغَل"، قال: أن يغله أصحابه.
٨١٥٤- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله:"وما كان لنبي أن يُغَلَّ"، قال
الربيع بن أنس، يقول: ما كان لنبي أن يغله أصحابه الذين معه - قال: ذكر لنا، والله أعلم: أن هذه الآية أنزلت على نبي الله ﷺ يوم بدر، وقد غَلّ طوائف من أصحابه.
* * *
وقال آخرون منهم: معنى ذلك: وما كان لنبي أن يتهم بالغلول فيخوَّن ويسرَّق. وكأن متأولي ذلك كذلك، وجَّهوا قوله:"وما كان لنبي أن يغل" إلى أنه مراد به:"يغَلَّل"، ثم خففت"العين" من"يفعَّل"، فصارت"يفعل" كما قرأ من قرأ قوله: (فإنهم لا يكذبونك) [سورة الأنعام: ٣٣] بتأوُّل: يُكَذِّبُونَك.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندي، قراءة من قرأ: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ) بمعنى: ما الغلول من صفات الأنبياء، ولا يكون نبيًّا من غلَّ.
وإنما اخترنا ذلك، لأن الله عز وجل أوعد عقيب قوله:"وما كان لنبي أن يغل" أهلَ الغلول فقال:"ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة"، الآية والتي بعدها. فكان في وعيده عقيب ذلك أهلَ الغلول، الدليلُ الواضح على أنه إنما نهى بذلك عن الغلول، وأخبر عباده أن الغلول ليس من صفات أنبيائه بقوله:"وما كان لنبيّ أن يغلّ". لأنه لو كان إنما نهى بذلك أصحاب رسول الله ﷺ أن يتهموا رسول الله ﷺ بالغلول، لعقَّب ذلك بالوعيد على التُّهَمة وسوء الظن برسول الله صلى الله عليه وسلم، لا بالوعيد على الغلول. وفي تعقيبه ذلك بالوعيد على الغلول، بيانٌ بيِّنٌ، أنه إنما عرّف المؤمنين وغيرهم من عباده أن الغلول منتفٍ من صفة الأنبياء وأخلاقهم، لأنّ ذلك جرم عظيم، والأنبياء لا تأتي مثله.
* * *
فإن قال قائل ممن قرأ ذلك كذلك: فأولى منه (١) "وما كان لنبي أن يخونه أصحابه"، إن كان ذلك كما ذكرت، (٢) ولم يعقّب الله قوله:"وما كان لنبي أن يغل" إلا بالوعيد على الغلول، ولكنه إنما وجب الحكمُ بالصحة لقراءة من قرأ:"يغل" بضم"الياء" وفتح"الغين"، لأن معنى ذلك: وما كان للنبي أن يغله أصحابه، فيخونوه في الغنائم؟
قيل له: أفكان لهم أن يغلوا غير النبي ﷺ فيخونوه، حتى خُصوا بالنهي عن خيانة النبي صلى الله عليه وسلم؟
فإن قالوا:"نعم"، خرجوا من قول أهل الإسلام. لأن الله لم يبح خيانة أحد في قول أحد من أهل الإسلام قط.
وإن قال قائل: لم يكن ذلك لهم في نبيّ ولا غيره.
قيل: فما وجه خصوصهم إذًا بالنهي عن خيانة النبي صلى الله عليه وسلم، وغُلوله وغُلول بعض اليهود بمنزلةٍ فيما حرم الله على الغالِّ من أموالهما، وما يلزم المؤتمن من أداء الأمانة إليهما؟
وإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أن معنى ذلك هو ما قلنا، من أن الله عز وجل نفى بذلك أن يكون الغلول والخيانة من صفات أنبيائه، ناهيًا بذلك عبادَه عن الغلول، وآمرًا لهم بالاستنان بمنهاج نبيهم، كما قال ابن عباس في الرواية التي ذكرناها من رواية عطية، (٣) ثم عقَّب تعالى ذكره نهيَهم عن الغلول بالوعيد عليه فقال:"ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة"، الآيتين معًا.
* * *
(٢) في المطبوعة والمخطوطة: "إن ذلك كما ذكرت" سقط من الناسخ"كان" فأثبتها، لأن هذا هو حق المعنى الذي أراده أبو جعفر في سياق قول من رد عليه قوله.
(٣) يعني الأثر: ٨١٤٣، "وعطية" المذكور، هو"عطية بن سعد بن جنادة العوفي"، الذي روى عن ابن عباس، وهو المذكور في الإسناد السالف"عن أبيه". وقد أشكل ذلك على بعض من علق على التفسير، فقال: لم يمض لعطية هذا ذكر!! ولكنه مذكور كما ترى.
القول في تأويل قوله تعالى: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: ومن يخُن من غنائم المسلمين شيئًا وفيئهم وغير ذلك، يأت به يوم القيامة في المحشر. كما:-
٨١٥٥- حدثنا أبو كريب قال: حدثنا ابن فضيل، عن يحيى بن سعيد أبي حيان، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قام خطيبًا فوعظ وذكَّر ثم قال: ألا عسى رجل منكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثُغاء، (١) يقول: يا رسول الله، أغثني! فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك! ألا هل عسى رجل منكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرسٌ لها حمحمة، (٢) يقول: يا رسول الله، أغثني! فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك! ألا هل عسى رجل منكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامتٌ، (٣) يقول: يا رسول الله، أغثني! فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك! ألا هل عسى رجل منكم يجيء يوم القيامة على رقبته بقرة لها خوار (٤)، يقول: يا رسول الله، أغثني! فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك! ألا عسى رجل منكم يجيء يوم القيامة على رقبته رِقاع تخفِق
(٢) الحمحمة: صوت الفرس دون الصهيل، كالذي يكون منه إذا طلب العلف، أو رأى صاحبه الذي كان ألفه، فاستأنس إليه.
(٣) الصامت هو الذهب والفضة، أو ما لا روح فيه من أصناف المال. يقال: "ما له صامت ولا ناطق". فالناطق: الحيوان، كالإبل والغنم وغيرها.
(٤) "الخوار": صوت الثور، وما اشتد من صوت البقرة والعجل."خار الثور يخور".
يقول: (١) يا رسول الله، أغثني! فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك! (٢)
٨١٥٦- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبد الرحمن، عن أبي حيّان، عن أبى زرعة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، مثل هذا = زاد فيه
(٢) الحديث: ٨١٥٥- أبو حيان -بفتح الحاء المهملة وتشديد الياء التحتية- يحيى بن سعيد ابن حيان التيمي: مضت ترجمته: ٥٣٨٢. ووقع في المطبوعة في الإسنادين التاليين لهذا"أبو حبان" بالباء الموحدة، وهو خطأ.
ووقع هنا في المخطوطة: "عن يحيى بن سعيد، عن أبي حيان". وهو خطأ. فإن"أبا حيان": اسمه"يحيى بن سعيد" - كما ذكرنا. ومحمد بن فضيل بن غزوان سمع منه، ويروى عنه مباشرة، كما هو ثابت في ترجمتهما.
نعم: إن"يحيى بن سعيد القطان" روى هذا الحديث عن"أبي حيان يحيى بن سعيد التيمي"، كما سيأتي في التخريج - ولكن ليس في هذا الإسناد.
أبو زرعة - بضم الزاي وسكون الراء: هو ابن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي. وهو تابعي ثقة، من علماء التابعين. مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ٤ / ٢ / ٢٤٣ - ٢٤٤، فيمن اسمه"هرم"، وابن أبي حاتم ٢ / ٢ / ٢٦٥ - ٢٦٦، فيمن اسمه"عبد الرحمن"، لاختلافهم في اسمه. والظاهر أن اسمه كنيته. ووقع في المطبوعة، في الرواية الآتية: ٨١٥٧-"عن أبي زرعة عن عمرو بن جرير"، وهو تحريف، صوابه"بن" بدل"عن".
والحديث سيأتي عقب هذا بإسنادين: من طريق عبد الرحمن، عن أبي حيان، ومن طريق ابن علية، عن أبي حيان.
ورواه أحمد في المسند: ٩٤٩٩ (ج٢: ص: ٤٢٦ حلبي). عن إسماعيل -وهو ابن علية- عن أبي حيان.
ورواه مسلم ٢: ٨٣، عن زهير بن حرب، عن إسماعيل بن إبراهيم، وهو ابن علية، به.
ورواه البخاري ٦: ١٢٩ (فتح)، عن مسدد، عن يحيى - وهو ابن سعيد القطان، عن أبي حيان وهو يحيى بن سعيد التيمي.
ورواه مسلم أيضا بأسانيد. وكذلك رواه البيهقي في السنن الكبرى ٩: ١٠١ بأسانيد.
وروى البخاري قطعة منه، ضمن حديث، من وجه آخر ٣: ٢١٣ (فتح). وذكره ابن كثير ٢: ٢٨١، من رواية المسند، ثم قال: "أخرجاه من حديث أبي حيان، به" يريد الشيخين. وذكره السيوطى ٢: ٩٢، وزاد نسبته لابن أبي شيبة، والبيهقي في الشعب.
"لا ألفين أحدكم على رقبته نفسٌ لها صياح". (١)
٨١٥٧- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا أبو حيّان، عن أبي زرعة، بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة قال: قام رسول الله ﷺ فينا يومًا، فذكر الغُلول، فعظَّمه وعظَّم أمره فقال: لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء، يقول: يا رسول الله أغثني = (٢) ثم ذكر نحو حديث أبي كريب، عن عبد الرحمن. (٣)
٨١٥٨- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا حفص بن بشر، عن يعقوب القمي قال، حدثنا حفص بن حميد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا أعرفَنّ أحدَكم يأتي يوم القيامة يحمل شاة لها ثغاء، ينادي: يا محمد! يا محمد! (٤) فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا قد بلغتك! ولا أعرفنّ أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل جملا له رُغاء يقول: يا محمد! يا محمد! فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا، قد بلغتك! ولا أعرفنَّ أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل فرسًا له حمحمة ينادي: يا محمد! يا محمد! فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا، قد بلغتك! ولا أعرفنّ أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل قِشْعًا من أَدَمٍ، (٥)
قوله: "نفس لها صياح"، قال الحافظ ابن حجر في الفتح: "وكأنه أراد بالنفس، ما يغله من الرقيق، من امرأة أو صبي".
(٢) "الرغاء": صوت ذوات الخف كالإبل، وقد يستعار لغيره: "رغا البعير يرغو".
(٣) الحديث: ٨١٥٧- هو تكرار للحديثين قبله. وقوله في آخره"ثم ذكر نحو حديث أبي كريب عن عبد الرحمن" أخشى أن يكون محرفًا، وأن صوابه"عن عبد الرحيم"، كما بينا من قبل.
(٤) قوله: "لا أعرفن" قد سلف أن بينت في التعليق على الأثر: ٨٠١١، ص: ٢٨٦ تعليق: ٤، والأثر: ٨٠٢٥، أنها كلمة تقال عند التهديد والوعيد والزجر الشديد، وستأتي أيضًا في رقم: ٨١٦٠ بعد.
(٥) "القشع": هو النطع الخلق من الجلد، وهو الفرو الخلق أيضًا. وقال ابن الأثير: أراد القربة البالية. و"الأدم" جمع أديم: وهو الجلد. وفي المطبوعة والمخطوطة وابن كثير"قسما"، خطأ محض.
ينادي: يا محمد! يا محمد! فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا، قد بلغتك. (١)
٨١٥٩- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أسباط بن محمد قال، حدثنا أبو إسحاق الشيباني، عن عبد الله بن ذكوان، عن عروة بن الزبير، عن أبي حميد قال، بعث رسول الله ﷺ مصدقًا فجاء بسوادٍ كثير، قال: فبعث رسول الله ﷺ من يقبضه منه. فلما أتوه جعل يقول: هذا لي، وهذا لكم. قال فقالوا: من أين لك هذا؟ قال: أهدي إليّ! فأتوا رسول الله ﷺ فأخبروه بذلك، فخرج فخطب فقال:"أيها الناس، ما بالي أبعث قومًا إلى الصدقة، فيجيء أحدهم بالسواد الكثير، (٢) فإذا بعثت من يقبضه قال:"هذا لي، وهذا لكم"! فإن كان صادقًا أفلا أهدي له وهو في بيت أبيه أو في بيت أمه؟ " ثم قال:"أيها الناس، من بعثناه على عمل فغَلَّ شيئًا، جاء به يوم القيامة على عنقه يحمله، فاتقوا الله أن يأتي أحدكم يوم القيامة على عنقه بعير له رغاء، أو بقرة تخور، أو شاة تثغو". (٣)
٨١٦٠- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو معاوية وابن نمير وعبدة بن سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي حميد الساعدي قال: استعمل رسول الله ﷺ رجلا من الأزد يقال له"ابن الأتْبِيَّة" على صدقات
(٢) "السواد" العدد الكثير من المال، سمى بذلك لأن الإبل والغنم وغيرها إذا جاءت كثيرة مجتمعة، ترى كأنها سواد في خافق الأرض. يقال: "لفلان سواد كثير"، أي مال كثير من إبل وغنم وغيرها. ويقال للشخص الذي يرى من بعيد"سواد"، وفي الحديث: "إذا رأى أحدكم سوادًا بليل، فلا يكن أجبن السوادين، فإنه يخافك كما تخافه"، يعني بالسواد الشخص.
(٣) انظر التعليق على رقم: ٨١٦١.
بني سليم، فلما جاء قال:"هذا لكم، وهذا هدية أهديت لي". فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفلا يجلس أحدكم في بيته فتأتيه هديته! ثم حمد الله وأثنى عليه ثم قال:"أما بعد، فإني أستعمل رجالا منكم على أمور مما ولاني الله، فيقول أحدهم: هذا الذي لكم، وهذا هدية أهديت إليّ! أفلا يجلس في بيت أبيه أو في بيت أمه فتأتيه هديته؟ والذي نفسي بيده، لا يأخذ أحدكم من ذلك شيئًا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه، فلا أعرفنَّ ما جاء رجل يحمل بعيرًا له رغاء، (١) أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر! (٢) ثم رفع يده فقال:"ألا هل بلغت"؟
٨١٦١- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبد الرحيم، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي حميد، حدثه بمثل هذا الحديث = قال: أفلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك؟ ثم رفع يده حتى إني لأنظر إلى بياض إبطيه، ثم قال:"اللهم هل بلغت؟ "= قال أبو حميد: بَصَرُ عيني وسَمْعُ أذني. (٣)
٨١٦٢- حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب وقال، حدثني عمي عبد الله بن وهب قال، أخبرني عمرو بن الحارث: أن موسى بن جبير حدثه: أن عبد الله بن عبد الرحمن بن الحباب الأنصاري حدثه: أن عبد الله بن أنيس حدثه: أنه تذاكر هو وعمر يومًا الصدقة فقال: ألم تسمع رسول الله ﷺ حين ذكر
(٢) يعرت العنز تيعر (مثل فتح يفتح) يعارًا (بضم الياء) : صوتت صوتًا شديدًا. وكان في المطبوعة: "تثغو"، وهو وإن كان صوابًا في المعنى، فهو خطأ في الرواية، صوابه من المخطوطة، ومن رواية الحديث كما ترى في التخريج.
(٣) الأحاديث: ٨١٥٩ - ٨١٦١، هي ثلاثة أسانيد لحديث واحد. وعبد الرحيم - في ثالثها هو ابن سليمان الأشل. والحديث رواه أحمد في المسند ٥: ٤٢٣ - ٤٢٤ (حلبي)، عن سفيان، وهو ابن عيينة، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن أبي حميد الساعدي، بنحوه. وكذلك رواه البخاري ١٣: ١٤٤ - ١٤٦، ومسلم ٢: ٨٣ - ٨٤، من طريق سفيان بن عيينة. ورواه البخاري أيضًا في مواضع أخر.
ورواه مسلم -عقب تلك الرواية- من أوجه أخر، منها من طريق عبد الرحيم بن سليمان. وذكره ابن كثير: ٢: ٢٨٠ - ٢٨١، من رواية المسند، ثم قال: "أخرجاه (يعني الشيخين)، من حديث سفيان بن عيينة... ومن غير وجه عن الزهري، ومن طرق عن هشام بن عروة - كلاهما عن عروة، به".
قوله: "بصر عيني، وسمع أذني" اختلفوا في ضبطه، فروى على أنه فعل"بصر" (بفتح الباء وضم الصاد""وسمع" فعل. وروى"بصر، وسمع" اسمان. يراد به: "أعلم هذا الكلام يقينًا، أبصرت عيني النبي ﷺ حين تكلم به، وسمعته أذني فلا شك في علمي به"، كما قال النووي في شرح مسلم ١٢: ٢٢٠، ٢٢١.
غلول الصدقة:"من غل منها بعيرًا أو شاة، فإنه يحمله يوم القيامة"؟ قال عبد الله بن أنيس: بلى. (١)
٨١٦٣- حدثنا سعيد بن يحيى الأموي قال، حدثنا أبي قال، حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ بعث سعد بن عبادة مصدِّقًا، فقال: إياك، يا سعد، أنْ تجيء يوم القيامة ببعير تحمله رغاء! قال: لا آخذه ولا أجئ به! فأعفاه. (٢)
وهذا الحديث من مسند عمر، ومن مسند عبد الله بن أنيس، لتصريح كل منهما بأنه سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولكن الإمام أحمد لم يذكره في مسند عمر، وذكره في مسند عبد الله بن أنيس فقط.
فرواه أحمد: ١٦١٣١ (ج ٣ ص ٤٩٨ حلبي)، عن هارون بن معروف، عن عمرو بن الحارث - بهذا الإسناد. وكذلك رواه ابنه عبد الله بن أحمد، عن هارون بن معروف.
ورواه ابن ماجه: ١٨١٠، من طريق عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، به. وقال البوصيري في زوائده: "في إسناده مقال، لأن موسى بن جبير ذكره ابن حبان في الثقات وقال: إنه يخطئ. وقال الذهبي في الكاشف: ثقة، ولم أر لغيرهما فيه كلامًا وعبد الله بن عبد الرحمن: ذكره ابن حبان في الثقات. وباقي رجاله ثقات". ونقله ابن كثير ٢: ٢٨٣، عن هذا الموضع من تفسير الطبري، ثم نسبه أيضًا لابن ماجه، ولم يزد! ففاته أن ينسبه للمسند، وهو أهم.
وذكره السيوطي في الجامع الصغير: ٨٨٨٢، ونسبه لأحمد، والضياء المقدسي، عن عبد الله بن أنيس فقط. وهو عنه وعن عمر، كما بينا.
(٢) الحديث: ٨١٦٣- سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي: مضيا في: ٢٢٥٥ يحيى بن سعيد الأنصاري النجاري: مضى مرارًا، آخرها: ٤٨٠٩. وهذا إسناد صحيح، رجاله رجال الصحيح. وسيأتي تخريج الحديث في الذي بعده.
٨١٦٤- حدثنا أحمد بن المغيرة الحمصي أبو حميد قال، حدثنا الربيع بن روح قال، حدثنا ابن عياش قال، حدثني عبيد الله بن عمر بن حفص، عن نافع مولى ابن عمر، عن عبد الله بن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه استعمل سعد بن عبادة، فأتى النبي ﷺ فسلم عليه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إياك، يا سعد، أن تجيء يوم القيامة تحمل على عنقك بعيرًا له رغاء! فقال سعد: فإن فعلتُ يا رسول الله، إن ذلك لكائن! قال: نعم! قال سعد: قد علمت يا رسول الله أني أُسأَل فأعْطِى! فأعفنى. فأعفاه. (١)
٨١٦٥- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا زيد بن حبان قال، حدثنا عبد الرحمن بن الحارث قال، حدثني جدي عبيد بن أبي عبيد - وكان أول مولود
وهذا إسناد صحيح أيضًا، لكن إسماعيل بن عياش لم يخرج له شيء في الصحيحين. والحديث في معنى الذي قبله، أطول في اللفظ قليلا. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٣: ٨٦، من حديث ابن عمر، بنحو اللفظ السابق. وقال: "رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح".
وذكره ابن كثير ٢: ٢٨٣، عن الرواية الماضية من الطبري. ثم قال: "ثم رواه من طريق عبيد الله، عن نافع، به. نحوه". ولم يروه أحمد في المسند في مسند عبد الله بن عمر، ولكن رواه في مسند"سعد بن عبادة"، من حديثه ٥: ٢٨٥ (حلبي)، بنحوه -بإسناد صحيح إلى سعيد بن المسيب، عن سعد بن عبادة. وهو إسناد منقطع بين ابن المسيب وابن عبادة. فإن سعد بن عبادة توفي سنة ١٥، وقيل: سنة ١١. وسعيد بن المسيب ولد سنة ١٥، فلم يدركه يقينًا. وكذلك ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٣: ٨٥، من حديث سعد بن عبادة. وقال: "رواه أحمد، والبزار، والطبراني في الكبير، ورجاله ثقات، إلا أن سعيد بن المسيب لم ير سعد بن عبادة".
بالمدينة - قال: استعملت على صدقة دَوْس، فجاءني أبو هريرة في اليوم الذي خرجت فيه، فسلَّم، فخرجت إليه فسلمت عليه فقال: كيف أنت والبعير؟ كيف أنت والبقر؟ كيف أنت والغنم؟ ثم قال: سمعت حبِيِّ رسولَ الله ﷺ قال:"من أخذ بعيرًا بغير حقه جاء به يوم القيامة له رغاء، ومن أخذ بقرة بغير حقها جاء بها يوم القيامة لها خوار، ومن أخذ شاة بغير حقها جاء بها يوم القيامة على عنقه لها يعار"، (١) فإياك والبقر فإنها أحدُّ قرونًا وأشدُّ أظلافًا. (٢)
٨١٦٦- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا خالد بن مخلد قال، حدثني محمد، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن جده عبيد بن أبي عبيد قال: استعملت على صدقة دوس، فلما قضيت العمل قدمت، فجاءني أبو هريرة فسلم علي فقال: أخبرني كيف أنت والإبل = ثم ذكر نحو حديثه عن زيد، إلا أنه قال: جاء به يوم القيامة على عنقه له رُغاء. (٣)
٨١٦٧- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم
(٢) الحديث: ٨١٦٥- أبو كريب: هو محمد بن العلاء، الحافظ الثقة. زيد بن حبان: هكذا ثبت في الطبري. وأكاد أجزم بأنه محرف. فليس في الرواة -فيما نعلم- إلا زيد بن حبان الرقى، وهو قديم، مات سنة ١٥٨. فلم يدركه أبو كريب المتوفي سنة ٢٤٨. والراجح عندي أنه محرف عن"زيد بن الحباب العكلي"، الذي يروي عنه كريب كثيرًا. وهو ثقة، مضت ترجمته: ٢١٨٥.
عبد الرحمن بن الحارث بن عبيد بن أبي عبيد: ثقة. قال أبو زرعة: "لا بأس به". وهو مترجم عند ابن أبي حاتم ٢ / ٢ / ٢٢٤، باسم"عبد الرحمن بن الحارث بن أبي عبيد". فقصر في نسبه، إذ حذف اسم جده الأدنى. وقد ثبت نسبه على الصواب في ترجمة جده في التهذيب. ولم أجد لعبد الرحمن هذا ترجمة غيرها. عبيد بن أبي عبيد الغفاري، مولى بني رهم: تابعي ثقة. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٢ / ٢ / ٤١١، وثقات ابن حبان، ص: ٢٦٩ (مخطوط مصور). وقد خلط ابن أبي حاتم في اسم حفيده"عبد الرحمن بن الحارث" فذكره في ترجمة جده، في الرواة عنه، باسم"عبد الرحمن بن عبيد بن الحارث". والحديث سيأتي عقبه بإسناد آخر.
(٣) الحديث: ٨١٦٦- خالد بن مخلد: هو القطواني البجلي. مضت ترجمته في: ٢٢٠٦.
وقوله"حدثني محمد" - هكذا ثبت في الطبري. وأكاد أجزم أنه خطأ، زيادة من الناسخين. فإن"خالد بن مخلد" يروي عن"عبد الرحمن بن الحارث بن عبيد" مباشرة، كما ثبت في ترجمة"عبد الرحمن" عند ابن أبي حاتم. وفيه: "سئل أبو زرعة عن عبد الرحمن بن الحارث الذي يحدث عنه خالد بن مخلد القطواني".
ولو كان هذا الراوي"محمد" ثابتا في الإسناد، لبين نسبه أو نحو ذلك، فإن اسم"محمد" أكثر الأسماء دورانًا، فلا يذكر هكذا مجهلا، دون قرينة ترشد عن شخصه. والحديث مكرر ما قبله.
وقد مضى معناه من حديث أبي هريرة، من رواية أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عنه: ٨١٥٥ - ٨١٥٧. وأما من هذا الوجه، من رواية عبيد بن أبي عبيد، عنه -: فإني لم أجده في موضع آخر.
القيامة"، قال قتادة: كان النبي ﷺ إذا غنم مغنمًا بعث مناديًا:"ألا لا يغلَّن رجلٍ مخْيَطًا فما دونه، (١) ألا لا يغلّنّ رجل بعيرًا فيأتي به على ظهره يوم القيامة له رغاء، ألا لا يغلنّ رجل فرسًا، فيأتي به على ظهره يوم القيامة له حَمْحمة".
* * *
القول في تأويل قوله: ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٦١)
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه (٢) :"ثم توفى كل نفس"، ثم تعطى كل نفس جزاء ما كسبت بكسبها، وافيًا غير منقوص ما استحقه واستوجبه من ذلك (٣) ="وهم لا يظلمون"، يقول: لا يفعل بهم إلا الذي ينبغي أن يفعل بهم، من غير أن يعتدي عليهم فينقصوا عما استحقوه. كما:-
(٢) في المطبوعة والمخطوطة"يعني بذلك جل ثناؤه"، والصواب يقتضي ما أثبت.
(٣) انظر تفسير"وفي" فيما سلف ٦: ٤٦٥ - وتفسير"كسب" فيما سلف ص: ٣٢٧، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
جامع البيان في تأويل آي القرآن
أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري
أحمد شاكر