أولما أصابتكم مصيبة يوم أحد من قتل سبعين والهزيمة قد أصبتم يوم بدر من الكفار مثليها روى أحمد والشيخان والنسائي عن البراء قال :" أصاب المشركون منا يوم أحد سبعين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة سبعين أسيرا وسبعين قتيلا " ١. قلت : جعل الله سبحانه الأسير مثل القتيل لكونهم قادرين على قتلهم وكان قتلهم هو المرضى من الله تعالى، وإنما كان عدم القتل باختيارهم الفداء من عند أنفسهم، والظرف يعني لما متعلق بقوله تعالى قلتم متعجبين أنّى هذه الهزيمة والقتل علينا ونحن مسلمون وفينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والهمزة لإنكار هذا القول والمنع عنه، والجملة معطوفة على ما سبق من قصة أحد إما على قوله ولقد صدقكم الله ٢ يعني ولقد صدقكم الله وعده وقلتم أنى هذا حين المصيبة وإما على قوله استزلّهم الشيطان ٣ ويحتمل العطف على قوله لقد منّ الله ٤ يعني وجود الرسول الله صلى الله عليه وسلم منة من تعالى عليكم وأنتم تريدون أن تنسبوا إليه المصيبة وتجعلوها بسببه، أو معطوف على محذوف تقديره إنما وعدكم النصر بشرط الصبر والتقوى لم تصبروا ولما أصابتكم مصيبة قلتم أنى هذا، أو تقديره أتنازعتم وعصيتم الرسول وفشلتم ولما أصابتكم مصيبة قلتم أنى هذا، جاز أن يكون معطوفا على القول المحذوف إشارة إلى أن قولهم كان غير واحد تقديره أقلتم أقوالا غير واحد لا ينبغي ولما أصابتكم مصيبة قلتم أنى هذا قل يا محمد هو من عند أنفسكم أي بما اقترفتم من المعصية بترك المركز فإن الوعد كان مشروطا بالصبر والتقوى، وقيل يعني باختياركم الفداء عن أسارى بدر. أخرج ابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب قال : عوقبوا يوم أحد بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء فقتل سبعون وفرّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكسر رباعيته وهشت البيضة على رأسه وسال الدم على وجهه فأنزل الله تعالى أو لما أصابتكم مصيبة الآية، وقال البغوي : روى عبيدة السلماني عن علي قال : جاء جبرائيل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن الله كره ما صنع قومك في أخذهم الفداء من الأسارى وقد أمرك أن تخيّرهم بين أن يقدموا فيضرب أعناقهم وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدتهم فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا : يا رسول الله عشائرنا وإخواننا لا بل نأخذ فداهم نتقوي به على قتال عدونا يستشهد منا عدتهم، فقتل يوم أحد سبعون عدد أسارى أهل بدر فهذا قوله : هو من عند أنفسكم .
( فائدة ) : روى سعيد بن منصور عن أبي الصخر مرسلا قال : قتل يوم أحد سبعون أربعة من المهاجرين : حمزة ومصعب بن عمير وعبد الله بن جحش وشماس بن عثمان وسائرهم من الأنصار، وروى ابن حبان والحاكم عن أبيّ ين كعب قال : أصيب يوم أحد من الأنصار أربعة وستون ومن المهاجرين ستة، قال الحافظ وكان الخامس سعد مولى حاطب بن بلتعة والسادس ثقيف بن عمرو الأسلمي وروى البخاري عن قتادة قال : ما نعلم حيا من أحياء العرب أكثر شهيدا من الأنصار، قال قتادة حدثنا أنس قال : قتل منهم يوم أحد سبعون ويوم بئر معونة سبعون ويوم اليمامة سبعون٥. ونقل الحافظ محب الطبري عن مالك أن شهداء أحد خمسة وسبعون منها أحد وسبعون من الأنصار، وعن الشافعي أنهم اثنان وسبعون، وسرد في العيون أسماء شهداء أحد فبلغ ستة وتسعين من المهاجرين أحد عشر ومن الأوس ثمانية وثلاثون ومن الخزرج سبعة وأربعون، وفي العيون عن الدمياطي مائة وأربعة أو خمسة وكتاب الله على كونه سبعين إن الله على كل شيء من النصر والخذلان وغيرهما قدير .
٢ سورة آل عمران، الآية: ١٥٢. سورة آل عمران، الآية: ١٥٥. سورة آل عمران، الآية: ١٦٤..
٣ المصدر السابق..
٤ المصدر السابق..
٥ أخرجه البخاري في كتاب: المغازي، باب: من قتل من المسلمين يوم أحد (٤٠٧٨)..
التفسير المظهري
المظهري