ومهامه تقتضي مبادرة العرب خاصة والناس كافة إلى الإيمان برسالته واتباع شريعته، فهو من أقحاح العرب من بني إسماعيل، وهو معلّم الكتاب والحكمة، وهو مزكي النفوس ومطهرها من أدناس الجاهلية وأرجاسها في العقيدة والأخلاق ونظام الحياة. وليس أدل على فضله من تحول العرب بدعوته من الجاهلية الجهلاء إلى نور العلم والعرفان.
بعض أخطاء المؤمنين في غزوة أحد وبعض قبائح المنافقين
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٦٥ الى ١٦٨]
أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥) وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالاً لاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ (١٦٧) الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٦٨)
الإعراب:
الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ الَّذِينَ: إما مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: هم الذين أو منصوب من ثلاثة أوجه: أن يكون وصفا للذين في قوله: وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا أو بدلا منهم، أو على تقدير: أعني.
البلاغة:
أَنَّى هذا استفهام إنكاري.
يوجد طباق بين لِلْكُفْرِ ولِلْإِيمانِ.
ويوجد جناس اشتقاق في قوله: أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ.
المفردات اللغوية:
أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ: ما أصابهم بأحد من غلبة المشركين عليهم وقتل سبعين منهم أي من المسلمين قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها أي ما وقع لهم ببدر بقتل سبعين من المشركين، وأسر سبعين منهم. قُلْتُمْ متعجبين. أَنَّى أي من أين لنا هذا، وهو تركيب يفيد التعجب، أي كيف يكون لنا هذا الخذلان، ونحن مسلمون، ورسول الله فينا؟ ويراد بهذه الجملة الاستفهام الإنكاري.
قُلْ لهم. هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ أي من شؤم معصيتكم، لأنكم تركتم المركز فخذلتم.
إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ومنه النصر، وقد جازاكم، بسبب مخالفتكم أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم.
الْجَمْعانِ جمع المؤمنين، وجمع المشركين. فَبِإِذْنِ اللَّهِ أي بإرادته الأزلية وقضائه السابق بارتباط الأسباب بمسبباتها. فَادْرَؤُا فادفعوا عن أنفسكم. إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دفع المكاره بالحذر وأن القعود ينجي من الموت.
سبب النزول: نزول الآية (١٦٥) :
أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ... : أخرج ابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب قال:
عوقبوا يوم أحد بما صنعوا يوم بدر، من أخذهم الفداء، فقتل منهم سبعون، وفرّ أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم، وكسرت رباعيته، وهشمت البيضة (الخوذة) على رأسه، وسال الدم على وجهه، فأنزل الله: أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ الآية، إلى قوله:
قُلْ: هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ قال: بأخذ الفداء.
المناسبة:
تستمر الآيات في بيان الأخطاء يوم أحد، ففي الآيات السابقة أبان سبحانه
نسبة المنافقين الخيانة والغلول من المغنم إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم ثم تبرئته من ذلك، وهذه الآيات تبين أخطاء الغزاة قبل هذه الوقعة وبعدها وتصوراتهم المنافية للواقع وأقوالهم وأفعالهم المغلوطة.
التفسير والبيان:
هذه الآية معطوفة على ما مضى من قصة أحد من قوله تعالى: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ. ويجوز أن تكون معطوفة على محذوف، كأنه قيل: أفعلتم كذا، وقلتم حينئذ كذا: أنى هذا، من أين هذا، وهو كقوله تعالى: أَنَّى لَكِ هذا [آل عمران ٣/ ٣٧].
والمعنى أنتم السبب فيما أصابكم لاختياركم الخروج من المدينة أو لتخليتكم المركز في جبل الرماة، وعن علي رضي الله عنه: لأخذكم الفداء من أسارى بدر قبل أن يؤذن لكم.
والهمزة في قوله: أَوَلَمَّا للتقرير والتقريع، فلا ينبغي لكم أيها المنافقون والغزاة أن تعترضوا وتقولوا تعجبا: كيف ومن أين جرى علينا هذا أو من أين حدث لنا هذا المصاب؟ وهو ما أصابهم يوم أحد من قتل سبعين منهم، كأنهم يظنون أن النصر دائما في جانب المسلمين مهما عصوا وخالفوا أوامر الله، مع أنهم أصابوا من المشركين في بدر ضعفي هذا العدد، فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين.
ثم أجابهم سبحانه وتعالى عن تساؤلهم موبخا ومقرعا: إن ما وقع حدث بشؤم معصيتكم، وبسبب عصيانكم لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين أمركم ألا تبرحوا مكانكم، فعصيتم أيها الرماة.
وكانت أوجه العصيان كثيرة: الخروج من المدينة وكان من رأي النبي صلّى الله عليه وسلّم البقاء فيها، وفشلكم وضعف رأيكم، وتنازعكم، وعصيانكم أوامر الرسول عليه
الصلاة والسلام بمفارقة المكان الذي طلب منكم الوقوف فيه لحماية ظهور المقاتلين. ومن المعلوم أن العقوبات نتائج لازمة للأعمال، وأن الله وعدكم النصر بشرط ترك المعصية واتباع أوامر الله والرسول صلّى الله عليه وسلّم: إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ [محمد ٤٧/ ٧].
إن الله على كل شيء قدير، أي يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا معقب لحكمه، فهو القادر على نصركم لو ثبتم وصبرتم، وهو القادر على حجب النصر عنكم إن خالفتم وعصيتم، وذلك كله خاضع لقانون ربط الأسباب بالمسببات، وليس هناك شيء خارج عن القدرة الإلهية.
ثم أشار الله تعالى معزيا ومسليا إلى أن كل ما أصابكم أيها المؤمنون يوم التقاء الجمعين: جمع المسلمين وجمع المشركين في أحد، فبإذن الله وإرادته وقضائه وقدره، وله الحكمة في ذلك، فما من شيء في الوجود إلا وهو خاضع لإرادته وحكمته.
ومن مظاهر الحكمة: أن يظهر الله علمه بحال المؤمنين من قوة الإيمان وضعفه، والصبر والثبات وعدمه، فيعلم الذين صبروا وثبتوا ولم يتزلزلوا، ويعلم المنافقين أصحاب عبد الله بن أبي بن سلول الذين رجعوا معه في الطريق، وكانوا ثلاثمائة رجل.
هؤلاء المنافقون إذا دعوا إلى القتال في سبيل الله، أو إلى الدفاع عن النفس والأهل والوطن، أجابوا: لو نعلم أنكم تلقون قتالا في غزوتكم لاتبعناكم وسرنا معكم، ولكننا نعلم أنكم لا تقاتلون. وهذا يدل على تأصل النفاق في قلوبهم، وأن غايتهم التلبيس والتدليس والاستهزاء وتعمية الحقائق، مع أن جمع المشركين في أحد وخروج المسلمين لمقابلتهم قرينة قاطعة على إرادة القتال. روي أن الآية نزلت في عبد الله بن أبيّ بن سلول وأصحابه الذين خرجوا من المدينة في جملة
الألف الذين خرج بهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ثم رجعوا من الطريق، وهم ثلاثمائة ليخذلوا المسلمين ويوقعوا فيهم الهزيمة.
إنهم بمقالتهم هذه: لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا أقرب إلى الكفر يومئذ منهم إلى الإيمان، لظهور القرائن والأمارات برجوعهم وتصميمهم على إيقاع الهزيمة بالمسلمين، فإن من يتخاذل عن الجهاد في سبيل الله والدفاع عن الأوطان عند هجوم الأعداء ليس من المؤمنين، لقوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا، وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات ٤٩/ ١٥].
واستدلوا بآية هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ على أن الشخص قد تتقلب به الأحوال، فيكون في حال أقرب إلى الكفر، وفي حال أقرب إلى الإيمان.
إنهم يقولون القول ولا يعتقدون صحته، ويقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، وهذا شأن المنافقين، ومنه قولهم: لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ فإنهم- كما بينا- يعلمون أن جندا من المشركين قد جاؤوا من بلاد بعيدة يتحرقون على المسلمين بسبب ما أصيب من أشرافهم يوم بدر، وهم أضعاف المسلمين، ويعلمون أنه كائن بينهم قتال لا محالة مما يدل على أنهم كاذبون في كل ما يقولون. ولهذا قال تعالى: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ من الكفر والكيد للمسلمين، وهذا تهديد واضح وافتضاح علني أنه لا ينفعهم النفاق، فهو بضاعة مزجاة لأن الله أعلم بسرائرهم ونواياهم.
ومن أقوالهم أيضا بعد القتال في أحد أنهم قالوا لأجل إخوانهم الذين قتلوا في وقعة أحد: لو سمعوا من مشورتنا عليهم في القعود وعدم الخروج ما قتلوا مع من قتل، وفي هذا دلالة على أنهم نصحوهم بالتراجع. أخرج ابن جرير الطبري عن السّدّي قال: خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في ألف رجل، وقد وعدهم بالفتح إن
صبروا، فلما خرجوا رجع عبد الله بن أبيّ في ثلاثمائة، فتبعهم أبو جابر السّلمي يدعوهم، فقالوا: لو نعلم قتالا لاتبعناكم، ولئن أطعتنا لترجعنّ معنا، فنعى الله عليهم ذلك بقوله: الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ....
فرد الله تعالى قولهم: قل يا محمد لهم: إن كان القعود يسلم به الشخص من القتل والموت، فينبغي أنكم لا تموتون، والموت لا بد آت إليكم، ولو كنتم في بروج مشيدة، فادفعوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين. قال مجاهد عن جابر بن عبد الله: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه.
فقه الحياة أو الأحكام:
تعقد الآية (١٦٥) مقارنة بين نتائج غزوتي بدر وأحد، محورها أن المسلمين أصيبوا إصابة شديدة يوم أحد بقتل سبعين منهم، مع أنهم يوم بدر أصابوا من المشركين ضعفي ذلك العدد، فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين، والأسير في حكم المقتول لأن الأسر يقتل أسيره للضرورة إن أراد، وقد هزموا المشركين يوم بدر، ويوم أحد أيضا في ابتداء المعركة، وقتلوا منهم في يومين قريبا من عشرين.
ومن الخطأ قولهم: من أين أصابنا هذا الانهزام والقتل، ونحن نقاتل في سبيل الله، ونحن مسلمون، وفينا النبي والوحي، وهم مشركون! والسبب أن هزيمتهم كانت بسبب من أنفسهم، وهو مخالفة الرماة، وما من قوم أطاعوا نبيهم في حرب إلا نصروا لأنهم إذا أطاعوا فهم حزب الله، وحزب الله هم الغالبون.
ومصابهم يوم أحد من القتل والجرح والهزيمة إنما هو بعلم الله وقضائه وقدره لحكمة في ذلك، وهي تربيتهم وتحذيرهم من المخالفة، وتمييز المؤمنين من المنافقين.
والإشارة بقوله: نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ إلى عبد الله بن أبيّ وأصحابه الذين انصرفوا معه عن نصرة النبي صلّى الله عليه وسلّم، وكانوا ثلاثمائة، فمشى في أثرهم عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري، أبو جابر بن عبد الله، فقال لهم: اتقوا الله ولا تتركوا نبيّكم، وقاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا، ونحو هذا من القول. فقال له ابن أبيّ: ما أرى أن يكون قتال، ولو علمنا أن يكون قتال لكنا معكم. فلما يئس منهم عبد الله قال: اذهبوا أعداء الله، فسيغني الله رسوله عنكم، ومضى مع النبي صلّى الله عليه وسلّم واستشهد رحمه الله تعالى.
ودل قوله: أَوِ ادْفَعُوا على أن الدفاع عن الأوطان مثل القتال في سبيل الله، وعلى أن تكثير سواد المسلمين وإن لم يقاتلوا معهم، يكون دفعا وقمعا للعدو، فإن السواد إذا كثر حصل دفع العدو.
ويؤكده أن المرابط المستعد للقتال في ثغر إسلامي مدافع لأنه لولا مكان المرابطين في الثغور لجاء إليها العدو.
وكان موقف المنافقين هذا سببا في ظهور أمرين:
الأول- تبيان حالهم والكشف عن نفاقهم لمن كان يظن أنهم مسلمون، فصاروا أقرب إلى الكفر في ظاهر الحال، وإن كانوا كافرين على الحقيقة: هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ.
الثاني- إظهار كذبهم وعدم استحيائهم في الإتيان بالمغالطات، فهم أظهروا الإيمان، وأضمروا الكفر: يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ.
ومن دلائل عدم إيمانهم أنهم قالوا لأجل إخوانهم- وهم الشهداء المقتولون من الخزرج، وهم إخوة نسب ومجاورة، لا إخوة دين-: لو قعدوا بالمدينة ما قتلوا.
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي