( ١ ) أنى هذا : كيف وقع هذا أو لماذا وقع.
( ٢ ) فادرأوا : فامنعوا.
تضمنت الآيات :
١ ـ حكاية لتساؤل بعض المسلمين تساؤل المتألم المستنكر عما وقع عليهم من المصيبة في يوم أحد.
٢ ـ وأمر للنبي بإجابتهم أولا بأن ما أصابهم في هذا اليوم هو نصف ما أصاب أعداءهم في يوم بدر فلا موجب لهذا الجزع الذي يظهرونه، وثانيا بأن ما كان إنما وقع بسبب تصرفهم. وينطوي في الجواب ـ استلهاما من جملة إن الله على كل شيء قدير ـ أن ما كان ليس هو خلافا من الله بوعده بالنصر ولا عجزا منه عن نصرهم فهو قدير على كل شيء، وثالثا بأن ما كان إنما كان كذلك بإذن الله حتى يمتاز المؤمنون من المنافقين ويظهر كل منهم على حقيقته.
٣ ـ وإشارة استطرادية إلى موقف المنافقين. فقد قيل لهم : تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو اشتركوا في الدفاع عن بلدكم وأعراضكم وأموالكم فلم يلبوا وقالوا : إنا لا نتوقع قتالا ولو كنا متأكدين من ذلك لاتبعناكم.
٤ ـ وتفنيد لقولهم وأفعالهم : فهم إنما يقولون ذلك بأفواههم ويضمرون في قلوبهم خلافه مما يعلمه الله، وهو الأعلم بما يضمرون ولقد كانوا في هذا الموقف أقرب إلى الكفر منهم إلى الإيمان، ثم إنهم لم يكتفوا بالقعود عن القتال وخذل إخوانهم بل أخذوا بعد الوقعة يثيرون في نفوسهم المرارة ويظهرون فيهم الشماتة ؛ حيث أخذوا يقولون لهم لو أطعتمونا ولم تخرجوا مثلنا لما قتل منكم من قتل ولما أصابكم ما أصابكم..
٤ـ وأمر للنبي صلى الله عليه وسلم بتحديهم بدفع الموت عن أنفسهم إن كانوا صادقين فيما يقولون تحديا منطويا على التهكم والإلزام.
تعليق على الآية
أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ... الخ
وما بعدها إلى آخر الآية [ ١٦٨ ]
ولم يرو المفسرون رواية خاصة في صدد نزول الآيات وإنما أعادوا بعض ما قالوه من وقائع وقعة أحد ومواقف المنافقين مما روينا تفصيله عليه قبل.
والمتبادر أنها استمرار للسياق، وقد احتوت شيئا من العتاب وكثيرا من التسكين والتطمين والتهوين وحملة على المنافقين. بالإضافة إلى بعض مشاهد الوقعة وموقف المنافقين فيها.
ومن الإعجاز القرآني أن تكون صورة المنافقين التي رسمتها الآيات كثير ما تتكرر وتظهر في ظروف النضال مع البغاة والظالمين وفي الأزمات الحرجة التي تواجهها الأمم والجماعات في سبيل الحق والعقيدة والكرامة، ومن الطبيعي أن يكون ما في الآيات من تشنيع وتقبيح لاحقين بأصحاب مثل هذه الصورة في كل ظرف، وأن يكون في الآيات من هذا الاعتبار تلقين جليل مستمر المدى.
وفيما حكته الآيات عن دعوة المنافقين إلى القتال في سبيل الله أو في سبيل الدفاع عن بلدهم وجوابهم وفي جملة الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا كوصف لهم دليل قرآني على أنهم لم يخرجوا مع الخارجين إلى لقاء قريش عند جبل أحد كما روى المفسرون وكتاب السيرة ذلك وذكرناه قبل، والمتبادر أن كبير المنافقين لما أشار مع بعض أشياعه على النبي بالبقاء في المدينة وعدم الخروج، ثم عمل النبي بما أشار به أكثر المسلمين قال : أطاعهم وعصاني وأظهر السخط وقعد مع أشياعه.
ولقد روى ابن سعد رواية١ جاء فيها أن النبي بعد أن جاوز ثنية الوداع مع أصحابه في طريقهم إلى سفح أحد إذا هو بكتيبة خشناء فقال من هؤلاء ؟ قالوا هذا عبد الله بن أبي في ستمائة من مواليه من يهود بني قينقاع. فسأل ( أوقد أسلموا ؟ ) قالوا : لا يا رسول الله. فقال : قولوا لهم فليرجعوا فإننا لا نستعين على المشركين بالمشركين. والرواية لم ترد في الصحاح وهي غريبة من نواح عديدة، فإن بني قينقاع قد أجلوا عن المدينة قبل وقعة أحد بخمسة عشر شهرا، والآيات التي نحن في صددها تذكر أن النبي أو المسلمين طلبوا من المنافقين أن يخرجوا معهم فأبوا بحجة أنهم لا يتوقعون قتالا. ولقد روى ابن كثير عن مجاهد وجابر أن جملة الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا هي في عبد الله بن أبي كبير المنافقين وأصحابه المنافقين. وهو في محله وتؤيده الآية التي سبقت هذه الجملة التي حكت أقوال المنافقين.
ولقد روى الطبري عن قتادة بسبيل توضيح جملة مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ في الآية [ ١٦٥ ] أنها عنت ما كان من عصيان الرماة لأمر النبي وتركهم أماكنهم من حيث إن ذلك أدى إلى الهزيمة وهو في محله. كذلك روي عن قتادة بسبيل توضيح جملة أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا أنها عنت ما كان من خسائر بدر وأحد من المشركين والمؤمنين ؛ حيث قتل المؤمنون في بدر من المشركين سبعين وأسروا سبعين وقتل منهم في أحد سبعون ولم يؤسر أحد منهم. ونص الآية قد يؤيد هذا التوضيح.
أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا( ١ ) قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( ١٦٥ ) وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ ( ١٦٦ ) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالا لاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ ( ١٦٧ ) الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا ( ٢ ) عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( ١٦٨ ) [ ١٦٥ ـ ١٦٨ ].
تضمنت الآيات :
١ ـ حكاية لتساؤل بعض المسلمين تساؤل المتألم المستنكر عما وقع عليهم من المصيبة في يوم أحد.
٢ ـ وأمر للنبي بإجابتهم أولا بأن ما أصابهم في هذا اليوم هو نصف ما أصاب أعداءهم في يوم بدر فلا موجب لهذا الجزع الذي يظهرونه، وثانيا بأن ما كان إنما وقع بسبب تصرفهم. وينطوي في الجواب ـ استلهاما من جملة إن الله على كل شيء قدير ـ أن ما كان ليس هو خلافا من الله بوعده بالنصر ولا عجزا منه عن نصرهم فهو قدير على كل شيء، وثالثا بأن ما كان إنما كان كذلك بإذن الله حتى يمتاز المؤمنون من المنافقين ويظهر كل منهم على حقيقته.
٣ ـ وإشارة استطرادية إلى موقف المنافقين. فقد قيل لهم : تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو اشتركوا في الدفاع عن بلدكم وأعراضكم وأموالكم فلم يلبوا وقالوا : إنا لا نتوقع قتالا ولو كنا متأكدين من ذلك لاتبعناكم.
٤ ـ وتفنيد لقولهم وأفعالهم : فهم إنما يقولون ذلك بأفواههم ويضمرون في قلوبهم خلافه مما يعلمه الله، وهو الأعلم بما يضمرون ولقد كانوا في هذا الموقف أقرب إلى الكفر منهم إلى الإيمان، ثم إنهم لم يكتفوا بالقعود عن القتال وخذل إخوانهم بل أخذوا بعد الوقعة يثيرون في نفوسهم المرارة ويظهرون فيهم الشماتة ؛ حيث أخذوا يقولون لهم لو أطعتمونا ولم تخرجوا مثلنا لما قتل منكم من قتل ولما أصابكم ما أصابكم..
٤ـ وأمر للنبي صلى الله عليه وسلم بتحديهم بدفع الموت عن أنفسهم إن كانوا صادقين فيما يقولون تحديا منطويا على التهكم والإلزام.
تعليق على الآية
أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ... الخ
وما بعدها إلى آخر الآية [ ١٦٨ ]
ولم يرو المفسرون رواية خاصة في صدد نزول الآيات وإنما أعادوا بعض ما قالوه من وقائع وقعة أحد ومواقف المنافقين مما روينا تفصيله عليه قبل.
والمتبادر أنها استمرار للسياق، وقد احتوت شيئا من العتاب وكثيرا من التسكين والتطمين والتهوين وحملة على المنافقين. بالإضافة إلى بعض مشاهد الوقعة وموقف المنافقين فيها.
ومن الإعجاز القرآني أن تكون صورة المنافقين التي رسمتها الآيات كثير ما تتكرر وتظهر في ظروف النضال مع البغاة والظالمين وفي الأزمات الحرجة التي تواجهها الأمم والجماعات في سبيل الحق والعقيدة والكرامة، ومن الطبيعي أن يكون ما في الآيات من تشنيع وتقبيح لاحقين بأصحاب مثل هذه الصورة في كل ظرف، وأن يكون في الآيات من هذا الاعتبار تلقين جليل مستمر المدى.
وفيما حكته الآيات عن دعوة المنافقين إلى القتال في سبيل الله أو في سبيل الدفاع عن بلدهم وجوابهم وفي جملة الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا كوصف لهم دليل قرآني على أنهم لم يخرجوا مع الخارجين إلى لقاء قريش عند جبل أحد كما روى المفسرون وكتاب السيرة ذلك وذكرناه قبل، والمتبادر أن كبير المنافقين لما أشار مع بعض أشياعه على النبي بالبقاء في المدينة وعدم الخروج، ثم عمل النبي بما أشار به أكثر المسلمين قال : أطاعهم وعصاني وأظهر السخط وقعد مع أشياعه.
ولقد روى ابن سعد رواية١ جاء فيها أن النبي بعد أن جاوز ثنية الوداع مع أصحابه في طريقهم إلى سفح أحد إذا هو بكتيبة خشناء فقال من هؤلاء ؟ قالوا هذا عبد الله بن أبي في ستمائة من مواليه من يهود بني قينقاع. فسأل ( أوقد أسلموا ؟ ) قالوا : لا يا رسول الله. فقال : قولوا لهم فليرجعوا فإننا لا نستعين على المشركين بالمشركين. والرواية لم ترد في الصحاح وهي غريبة من نواح عديدة، فإن بني قينقاع قد أجلوا عن المدينة قبل وقعة أحد بخمسة عشر شهرا، والآيات التي نحن في صددها تذكر أن النبي أو المسلمين طلبوا من المنافقين أن يخرجوا معهم فأبوا بحجة أنهم لا يتوقعون قتالا. ولقد روى ابن كثير عن مجاهد وجابر أن جملة الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا هي في عبد الله بن أبي كبير المنافقين وأصحابه المنافقين. وهو في محله وتؤيده الآية التي سبقت هذه الجملة التي حكت أقوال المنافقين.
ولقد روى الطبري عن قتادة بسبيل توضيح جملة مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ في الآية [ ١٦٥ ] أنها عنت ما كان من عصيان الرماة لأمر النبي وتركهم أماكنهم من حيث إن ذلك أدى إلى الهزيمة وهو في محله. كذلك روي عن قتادة بسبيل توضيح جملة أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا أنها عنت ما كان من خسائر بدر وأحد من المشركين والمؤمنين ؛ حيث قتل المؤمنون في بدر من المشركين سبعين وأسروا سبعين وقتل منهم في أحد سبعون ولم يؤسر أحد منهم. ونص الآية قد يؤيد هذا التوضيح.
التفسير الحديث
دروزة