ﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡ

روى الترمذي وحسنه وابن ماجه وابن خزيمة وصححه والبغوي عن جابر بن عبد الله قال لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي : يا جابر مالي أراك منكسرا ؟ قلت : يا رسول الله استشهد أبي وترك عيالا ودينا، قال :" أفلا أبشرك بما لقي الله به أباك ؟ قلت بلى يا رسول الله قال :" ما كلم الله تعالى أحدا قط إلا من وراء الحجاب وأحيا أباك وكلمه كفاحا، قال : يا عبدي تمنّ عليّ أعطيك، قال : يا رب أحيني فأقتل فيك الثانية، قال الرب تبارك وتعالى : إنه سبق مني أنهم لا يرجعون، قال : فأنزلت فيهم ولا تحسبن الذين قتلوا ١ الآية. وروى مسلم وأحمد وأبو داود والحاكم والبغوي عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى لله عليه وسلم :" لما أصيب إخوانكم يوم أحد جعل الله عز وجل أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتسرح في الجنة حيث شاءت وتأوي إلى قناديل من ذهب تحت العرش، فلما رأوا طيب مقيلهم ومطعمهم ومشربهم ورأوا ما أعدّ الله لهم من الكرامة قالوا يا ليت قومنا رأوا ما نحن فيه من النعمة وما صنع الله بنا كي يرغبوا في الجهاد ولا ينكلوا عنه، فقال الله تعالى عز وجل : أنا مخبر عنكم ومبلغ إخوانكم، ففرحوا بذلك واستبشروا فأنزل الله تعالى " ٢ وروى ابن المنذر عن أنس قال : لما قتل حمزة وأصحابه يوم أحد قالوا : يا ليت مخبرا يخبر إخواننا الذي صرنا إليه من كرامة الله، فأوحى إليهم ربهم أنا رسولكم إلى إخوانكم فأنزل الله تعالى ولا تحسبن الذين قتلوا إلى قوله تعالى لا يضيع أجر المؤمنين وقيل : إن أولياء الشهداء كانوا إذ أصابتهم نعمة تحسروا على الشهداء وقالوا نحن في النعمة وآباؤنا وإخواننا في القبور فأنزل الله تعالى ولا تحسبن الذين قتلوا قرأ هشام لا يحسبن بالياء للغيبة والباقون بالتاء للخطاب، وقرأ ابن عامر قتّلوا هنا وفي الحج بتشديد التاء فيهما لكثرة المقتولين، والباقون بالتخفيف، والخطاب لأولياء الشهداء أو لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاز أن يكون خطابا للمنافقين الذين قالوا لو أطاعونا ما قتلوا ٣ ويكون حينئذ داخلا تحت قل، وعلى قراءة هشام الضمير راجع إلى أولياء الشهداء وجاز إسناده إلى ضمير رسول الله صلى الله عليه وسلم أو الضمير راجع إلى المنافقين الذين قالوا لو أطاعونا، وجاز إسناده إلى الذين قتلوا أو المفعول محذوف لأنه في الأصل مبتدأ جائز الحذف عند القرينة وإنما لا يجوز حذف أحد المفعولين بلا قرينة لأنه شطر الجملة في سبيل الله يعني في الجهاد، لفظ في سبيل الله عام يشتمل من مات في شيء من أمور الخير غير أن لفظ القتل لا يشتمله عبارة لكن بدلالة النص يدخل فيه بالطريق الأولى أو بالمساواة أو بالقياس من جاهد في الله مع نفسه جهادا أكبر فإنه أشد وأشق من الجهاد الأصغر أمواتا غير مشتعرين باللذات والنعماء بل أحياء روى أبو حاتم عن أبي العالية في قوله تعالى بل أحياء قال : في صور طير خضر يطيرون في الجنة حيث شاءوا، قال البغوي أرواحهم تركع وتسجد كل ليلة تحت العرش إلى يوم القيامة. روى ابن مندة عن طلحة بن عبد الله رضي الله عنه قال : أردت مالي بالغابة فأدركني الليل فأويت إلى قبر عبد الله بن عمرو بن حرام فسمعت قراءة من القبر ما سمعت أحسن منها، فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال :" ذاك عبد الله ألم تعلم أن الله قبض أرواحهم فجعلها في قناديل من زبرجد وياقوت ثم علقها وسط الجنة فإذا كان الليل ردت إليهم أرواحهم فلا تزال كذلك حتى إذا طلع الفجر ردت أرواحهم إلى مكانها التي كانت فيها " وعلى هذا القول يكتسب الشهيد الدرجات وثواب الطاعات بعد الموت أيضا، والشهيد لا يبالي في القبر ولا يأكله الأرض وهذا أيضا أثر من آثار حياته. روى البيهقي من طرقه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما وابن سعد والبيهقي من طرق أخر عنه ومحمد بن عمرو عن شيوخه عن جابر قال : استصرخنا إلى قتلانا يوم أحد حين أجرى معاوية العين فأتيناهم فأخرجناهم رطابا تثنى أطرافهم، قال شيوخ محمد بن عمرو : وجدوا والد جابر ويده على جرحه فأميطت يده على جرحه فانبعث الدم فردت إلى مكانها فسكن الدم، قال جابر : فرأيت أبي في حفرته كأنه نائم والنمرة التي كفن فيها كما هي على رجليه على هيئته وبين ذلك ست وأربعون سنة، وأصابت المسحاة رجل رجل منهم، قال الشيوخ وهو حمزة فانبعث الدم، قال أبو سعيد الخدري : لا ينكر بعد هذا منكر ولقد كانوا يحفرون التراب فكلما حفروا نثرة من التراب فاح عليهم ريح المسك، قال البغوي : قال عبيد بن عمير : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف من أحد على مصعب بن عمير وهو مقتول فوقف عليه ودعا له ثم قرأ من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ٤ ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أشهد أن هؤلاء عند الله يوم القيامة، ألا فأتوهم وزوروهم وسلموا عليهم فوالذي نفسي بيده لا يسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردوا عليه " وروى الحاكم والبيهقي عن أبي هريرة والبيهقي عن أبي ذر وابن مردويه عن خباب بن الأرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بمصعب بن عمير وهو مقتول على طريقه فوقف عليه فدعا له ثم قرأ من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه الآية، ثم قال :" لقد رأيتك بمكة وما بها أرق حلة ولا أحسن لمة منك "
( مسألة ) هل يبلغ غير الشهيد درجة الشهيد ؟ قلت : نعم وما ورد في فضائل الشهداء لا يقتضي نفي الحكم عمن عداهم، وقد روى أبو داود والنسائي عن عبيد بن خالد أن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين رجلين فقتل أحدهما في سبيل الله ثم مات آخر بعد جمعة أو نحوها فصلوا عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ما قلتم ؟ قالوا : دعونا الله أن يغفر له ويرحمه ويلحقه بصاحبه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" فأين صلاته بعد صلاته وعمله بعد عمله ؟ أو قال : صيامه بعد صيامه بينهما أبعد مما بين السماء والأرض " ٥ وقد ذكرنا بحث مقر الأنبياء والشهداء والصديقين والمؤمنين وغيرهم في تفسير سورة المطففين ومسألة حياة الشهداء في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات ٦ عند ربهم أي ذو زلفى وقرب منه تعالى قربا بلا كيف. قال الشيخ الشهيد شيخي وإمامي رضي الله عنه ورضي عنا بسره السامي أنه يرى بنظر الكشف تجليات ذاتية على الشهداء لما بلوا ذواتهم في سبيل الله قال الله تعالى : وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله ٧ فهم قدموا لأنفسهم بدل الذوات فجزاهم الله تعالى بالتجليات الذاتية الصرفة يرزقون من الجنة تأكيد لكونهم أحياء.

١ أخرجه الترمذي في كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة آل عمران (٣٠١١) وأخرجه ابن ماجه في افتتاح الكتاب، باب: فيما أنكرت الجهمية (١٩٠)..
٢ أخرجه أبو داود في كتاب: الجهاد، باب: في فضل الشهادة (٢٥١٨). سورة آل عمران، الآية: ١٦٨..
٣ أخرجه أبو داود في كتاب: الجهاد، باب: في فضل الشهادة (٢٥١٨). سورة آل عمران، الآية: ١٦٨..
٤ سورة الأحزاب، الآية: ٢٣..
٥ أخرجه أبو داود في كتاب: الجهاد، باب: في النور يرى عند قبر الشهيد (٢٥٢٢) وأخرجه النسائي في كتاب: الجنائز، باب: الدعاء (١٩٧٦)..
٦ سورة البقرة، الآية: ١٥٤..
٧ سورة البقرة، الآية:. ١١٠
.

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير