ﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡ

الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٦٨)
مع كونه مُقدّما في المعنى؟ قيل: إن قوله: (وَقَعَدُوا) في تقدير
الحال، أي قالوا وهم قاعدون، كقولك: ، خرج زيد وقد ركب.
ويكون ركوبه قبل الخروج، وقد أكذبهم الله في ذلك بقو له: (قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ) وكأنه قال: القتل ضرب من
الموت، فإن كان لكم سبيل إلى دفعه عن أنفسكم بفعل اختياري
فادفعوا عنها الموت، وإذ لم يمكنكم ذلك دلّ أنكم مبطلون قي
دعواكم.
قوله تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)

صفحة رقم 978

روي عن ابن عباس والحسن أن النبي - ﷺ - قال:
"لما أُصيب إخوانكم بأحُدٍ جعل الله أرواحهم في أجواف طيرٍ خُضرٍ ترِدُ أنهار
الجنّة، وتأكل من أثمارها، وتأوي إلى قناديل معلّقة في ظلّ العرش.
فلما وجدوا طِيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا: من يُبلِّغُ إخواننا
عنّا: أنّا أحياء في الجنّة، نُرزق، كي لا ينكلوا عن الحرب؟ فقال
تعالى: أنا أبلّغهم عنكم، فأنزل هذه الآية".
فدل ذلك أن الأرواح أحياء تُثاب وتُعاقب قبل أن تُعاد إلى الأجسام يوم القيامة، وعلى هذا قال في صفة آل فرعون: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا)، ودل عطف قوله: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ)

صفحة رقم 979

أن عرضهم على النار قبل يوم القيامة.
وروي: "إنّ أحدَكم إذا مات عُرضَ عليه مقعده بكرة وعشية.
فيقال: هذا مقعدُك حتى تُبعثَ إليه ".
وهذا قول السلف وأصحاب الحقائق، الذين عرفوا حقيقة الروح المعنيّة هاهنا، وكونه جوهرا.

صفحة رقم 980

له بذاته قوام، وأما متأخرو المعتزلة الذين لم يتجاوزوا منزلي
الِحسّ والوهم، ولم يروا الروح إلا ريحا أو عرضا، فبعضهم

صفحة رقم 981

قال: يعني أحياء يوم القيامة، ووصفهم بذلك في الحال لقرب
القيامة عند الله، كقوله: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ)، ومعنى (عِنْدَ رَبِّهِمْ)
أي في علم الله، وبعضهم قال: أحياء بالذكر، وبعضهم قال:
أحياء بالإِيمان، وإرادة هذه المعاني بالآية غير ممتنعة، فإن
المؤمنين أحياء بكل ذلك، كما قالوا، ولكنهم مع ذلك أحياء
بالأرواح على ما ورد به الخبر، وزعمهم أن ما ورد من الأخبار
في أرواح الشهداء ليس بصحيح، فإن العقل لا يقتضي ذلك.
فهم إن عنوا العقول الصدئة التي عناها من قال:

صفحة رقم 982

فلان لم يؤت من العقل إلا مقدار ما يلزم به حجة الله فقد صدقوا، وإن
عنوا العقولَ المجلوة السليمة من درن الهوى المعنيّة بقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ).
وبقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ) فليس كما ظنوا.
ومن زعم أن القول بحياة الأرواح يؤدِّي إلى القول بالرجعة
فوهم فاسد، ولئن كان ذلك يؤدي إلى ما قالوه فإحياء الله مَن
وصفهم بقوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ) الآية.

صفحة رقم 983

وإحياء عيسى الأموات أكثر تأدية إليه، وأما على طريقة
المتصوفة المذكورة في قوله: (قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا)
فإنهم قالوا: لما كان الإِنسان مركباً من بدن وروح، والعقل تابع للروح.
والهوى تابع للبدن، وبتوهين أحدهما تقوية الآخر، نبّه تعالى أن
من جاهد نفسه، وقتل هواه في سبيل الله فلا تحسبنّه ميتاً، وعلى
هذا قيل: قتل النفس في الدنيا حياة الآخرة.
إن قيل: لم وصفهم بالفرح، وقد قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ)؟ قيل: الفرح تجاوز الحد في السرور بالملاذّ، ولما كانت

صفحة رقم 984

الملاذّ الدنيوية غير متنافس فيها ذمّ الفرحين بها، ولما كانت
الملاذّ الأخروية متنافساً فيها، كما قال: (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) أباح لهم الفرح بها، حتى قال: (فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا).
وأما استبشارهم بالذين لم يلحقوا بهم، فتنبيه أنهم يعرفون نعمة
الله بالموت والقتل في سبيله، ويسرون إذا أخبروا بقتل أو موت
إخوانهم بخلاف أبناء الدنيا، وقوله: (أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) متضمنٌ لذكر كل شيء يكدر الحياة، فإن ما يعرض
في الدنيا: إما خوف لوقوع محذور، أو حزن لفوت محبوب.
والضمير في: (عَلَيْهِمْ) يجوز أن يكون ضميراً للذين لم يلحقوا بهم، وأن
يكون للمستبشرين، وأن يكون لهما.
إن قيل: لم رفع (أَحْيَاءٌ) ونصب (فَرِحِينَ)؟
قيل: لأن (فَرِحِينَ) حال للذين قتلوا، والنصب به أولى، و (أَحْيَاءٌ) استئناف، ولو نصب لكان معناه: بل احسبهم أحياء، ولم يُرد ذلك، وإنما أراد بتّ الحكم بكونهم أحياء.

صفحة رقم 985

تفسير الراغب الأصفهاني

عرض الكتاب
المؤلف

أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى

تحقيق

هند بنت محمد سردار

الناشر كلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى
سنة النشر 1422
عدد الأجزاء 2
التصنيف التفسير
اللغة العربية