( ١ ) يستبشرون : يشعرون بالبشرى والسرور.
وفي هاتين الآيتين :
١ ـ نهي فيه معنى التطمين والبشرى عن أن يظن السامعون أن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا.
٢ ـ وتوكيد في مقام الجواب بأنهم أحياء لهم عند ربهم التكريم، والرزق الحسن، وهم فرحون مغتبطون مستبشرون بما نالوه من نعمة الله وفضله ولما تيقنوه من صدق وعده لهم، وفرحون مستبشرون بالنسبة لإخوانهم الذين خلفوهم من ورائهم أحياء، من حيث إنهم لن يلقوا عند الله ما يخيفهم ولا يحزنهم ما داموا تركوهم على المنهج الحق والاستشهاد في سبيل الله، ومن حيث إن الله لن يضيع أجر المؤمنين المخلصين.
تعليق على الآية
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ( ١٦٩ )
والآية التي بعدها.
وقد تعددت الروايات التي رواها المفسرون في مناسبة الآيات١. منها أنها نزلت في حق شهداء بدر. ومنها أنها في حق شهداء أحد. ومنها أنها في حق شهداء بدر وأحد. ومنها أنها في حق شهداء بئر معونة، الذين كان من قصتهم على ما رواه المفسرون وكتاب السيرة٢ أن أحد زعماء بني عامر الموصوف بملاعب الأسنة قدم على النبي فعرض عليه الإسلام فلم يبعد، وطلب منه أن يبعث معه نفرا إلى قومه لعلهم يجيبون فقال له : إني أخاف عليهم أهل نجد، فقال : أنا جار لهم فبعث معه سبعين رجلا من قراء الأنصار الشباب وكان معهم كتاب إلى عامر بن الطفيل زعيم بني عامر فأرسلوه إليه حينما وصلوا إلى بئر معونة فقتل الرسول، ثم استصرخ قومه وغيرهم وأحاطوا بالمسلمين فقتلوهم جميعا، عدا واحد منهم نجا من القتل ؛ لأن زعيما منهم كان نذر أن يعتق رقبة فعتقه بعد أن جز ناصيته، وكان وقع الحادث أليما شديدا على النبي والمسلمين.
ويتبادر لنا من نظم الآيتين أنهما جاءتا معقبتين على الآيات السابقة لهما التي حكت أقوال المنافقين وتحدتهم ؛ حيث احتوتا تطمينا للمؤمنين الأحياء وبهتا للمنافقين وإحباطا لدسهم وتحريضهم. وعبارة الآيتين مطلقة شاملة بحيث تشمل البشرى التي انطوت فيهما شهداء أحد وغيرهم وإن كانت صلتها بشهداء أحد أوكد ؛ لأن وقعة أحد هي موضوع السياق.
ومثل هذا التنويه والتسكين قد ورد في آيات سورة البقرة [ ١٥٥ ـ ١٥٧ ] في سياق الإشارة إلى بعض حوادث الجهاد الأولى وشهدائها على ما شرحناه في مناسبتها. غير أن في التعبير هنا بعض الزيادات التنويهية والتطمينية كما أن فيها تنويها بالمخلصين الأحياء حيث اقتضت ذلك حكمة التنزيل بسبب ما ألم بالمسلمين من حزن ومرارة في وقعة أحد.
ولقد روى المفسرون أحاديث عديدة في سياق هذه الآيات كتفسير وتوضيح. منها حديث روي عن ابن عباس٣ :" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه : إن الله لما أصيب إخوانكم بأحد جعل أرواحهم في جوف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا : من يبلغ إخواننا عنا أننا أحياء في الجنة لئلا يزهدوا في الجنة ولا ينكلوا عن الحرب فقال الله : أنا أبلغهم عنكم فأنزل الآية وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ( ١٦٩ ) وهناك رواية بهذا الحديث فيها زيادة جاء فيها :" أن الله قال لهم : هل تشتهون شيئا ؟ قالوا : يا رب نريد أن ترد أرواحنا إلى أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى " ٤. ومنها حديث أخرجه الإمام أحمد جاء فيه :( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما من نفس تموت لها عند الله خير يسرها أن ترجع إلى الدنيا إلا الشهيد، فإنه يسره أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى بما يرى من فضل الشهادة ) ومنها حديث عن جابر جاء فيه :" لما قتل أبي يوم أحد جعلت أبكي فقال لي رسول الله : لا تبكه، ما زالت الملائكة تظلله بأجنحتها حتى رفع " ٥. ولقد تطرق بعض المفسرين من هذا إلى التساؤل عما إذا كانت الجنة مخلوقة الآن استنادا إلى الحديث وعما إذا كانت حياة الشهداء روحانية أو جسمانية. ومنهم من اتخذ الآية والحديث دليلا ضد المعتزلة الذين لا يسلمون بأن الجنة مخلوقة الآن٦.
وعلى كل حال فواجب المؤمن أن يؤمن بما جاء في الآيات والأحاديث النبوية المفسرة أو المتسقة معها مع الملاحظة أن ذلك من الأمور الغيبية التي يجب الوقوف منها عند ما وقف عنده القرآن أو المأثور الثابت من أحاديث النبي مع استشفاف ما لا بد أن يكون في عبارتها من حكمة دنيوية أيضا. ويتبادر لنا من ذلك قصد تبشير الأحياء من المسلمين وتطمينهم بالنسبة لشهدائهم الأعزاء وبالنسبة لأنفسهم. وحثهم على الثبات على دين الله والجهاد في سبيله الذي يضمن لهم التكريم الرباني العظيم.
وإطلاق العبارة في الآيتين يسوغ القول : إن فيها علاجا روحيا قويا مستمر المدى في صدد الحث على الجهاد مهما كانت النتيجة. يستمد منه المؤمن المخلص في كل وقت إيمانا وثباتا وجرأة وإقداما. فما دام الموت أمرا محتما على كل امرئ وما دام أنه لا يكون إلا في الأجل المعين عند الله وما دام للشهيد هذه الحياة الكريمة عند الله فضلا عما له عند الناس من كرامة وحسن ذكر فليس من موجب للخوف من الجهاد، ولا للجزع من نتائجه مهما كانت.
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ( ١٦٩ ) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ( ١ ) بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( ١٧٠ ) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ( ١٧١ ) [ ١٦٩ ـ ١٧١ ].
وفي هاتين الآيتين :
١ ـ نهي فيه معنى التطمين والبشرى عن أن يظن السامعون أن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا.
٢ ـ وتوكيد في مقام الجواب بأنهم أحياء لهم عند ربهم التكريم، والرزق الحسن، وهم فرحون مغتبطون مستبشرون بما نالوه من نعمة الله وفضله ولما تيقنوه من صدق وعده لهم، وفرحون مستبشرون بالنسبة لإخوانهم الذين خلفوهم من ورائهم أحياء، من حيث إنهم لن يلقوا عند الله ما يخيفهم ولا يحزنهم ما داموا تركوهم على المنهج الحق والاستشهاد في سبيل الله، ومن حيث إن الله لن يضيع أجر المؤمنين المخلصين.
تعليق على الآية
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ( ١٦٩ )
والآية التي بعدها.
وقد تعددت الروايات التي رواها المفسرون في مناسبة الآيات١. منها أنها نزلت في حق شهداء بدر. ومنها أنها في حق شهداء أحد. ومنها أنها في حق شهداء بدر وأحد. ومنها أنها في حق شهداء بئر معونة، الذين كان من قصتهم على ما رواه المفسرون وكتاب السيرة٢ أن أحد زعماء بني عامر الموصوف بملاعب الأسنة قدم على النبي فعرض عليه الإسلام فلم يبعد، وطلب منه أن يبعث معه نفرا إلى قومه لعلهم يجيبون فقال له : إني أخاف عليهم أهل نجد، فقال : أنا جار لهم فبعث معه سبعين رجلا من قراء الأنصار الشباب وكان معهم كتاب إلى عامر بن الطفيل زعيم بني عامر فأرسلوه إليه حينما وصلوا إلى بئر معونة فقتل الرسول، ثم استصرخ قومه وغيرهم وأحاطوا بالمسلمين فقتلوهم جميعا، عدا واحد منهم نجا من القتل ؛ لأن زعيما منهم كان نذر أن يعتق رقبة فعتقه بعد أن جز ناصيته، وكان وقع الحادث أليما شديدا على النبي والمسلمين.
ويتبادر لنا من نظم الآيتين أنهما جاءتا معقبتين على الآيات السابقة لهما التي حكت أقوال المنافقين وتحدتهم ؛ حيث احتوتا تطمينا للمؤمنين الأحياء وبهتا للمنافقين وإحباطا لدسهم وتحريضهم. وعبارة الآيتين مطلقة شاملة بحيث تشمل البشرى التي انطوت فيهما شهداء أحد وغيرهم وإن كانت صلتها بشهداء أحد أوكد ؛ لأن وقعة أحد هي موضوع السياق.
ومثل هذا التنويه والتسكين قد ورد في آيات سورة البقرة [ ١٥٥ ـ ١٥٧ ] في سياق الإشارة إلى بعض حوادث الجهاد الأولى وشهدائها على ما شرحناه في مناسبتها. غير أن في التعبير هنا بعض الزيادات التنويهية والتطمينية كما أن فيها تنويها بالمخلصين الأحياء حيث اقتضت ذلك حكمة التنزيل بسبب ما ألم بالمسلمين من حزن ومرارة في وقعة أحد.
ولقد روى المفسرون أحاديث عديدة في سياق هذه الآيات كتفسير وتوضيح. منها حديث روي عن ابن عباس٣ :" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه : إن الله لما أصيب إخوانكم بأحد جعل أرواحهم في جوف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا : من يبلغ إخواننا عنا أننا أحياء في الجنة لئلا يزهدوا في الجنة ولا ينكلوا عن الحرب فقال الله : أنا أبلغهم عنكم فأنزل الآية وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ( ١٦٩ ) وهناك رواية بهذا الحديث فيها زيادة جاء فيها :" أن الله قال لهم : هل تشتهون شيئا ؟ قالوا : يا رب نريد أن ترد أرواحنا إلى أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى " ٤. ومنها حديث أخرجه الإمام أحمد جاء فيه :( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما من نفس تموت لها عند الله خير يسرها أن ترجع إلى الدنيا إلا الشهيد، فإنه يسره أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى بما يرى من فضل الشهادة ) ومنها حديث عن جابر جاء فيه :" لما قتل أبي يوم أحد جعلت أبكي فقال لي رسول الله : لا تبكه، ما زالت الملائكة تظلله بأجنحتها حتى رفع " ٥. ولقد تطرق بعض المفسرين من هذا إلى التساؤل عما إذا كانت الجنة مخلوقة الآن استنادا إلى الحديث وعما إذا كانت حياة الشهداء روحانية أو جسمانية. ومنهم من اتخذ الآية والحديث دليلا ضد المعتزلة الذين لا يسلمون بأن الجنة مخلوقة الآن٦.
وعلى كل حال فواجب المؤمن أن يؤمن بما جاء في الآيات والأحاديث النبوية المفسرة أو المتسقة معها مع الملاحظة أن ذلك من الأمور الغيبية التي يجب الوقوف منها عند ما وقف عنده القرآن أو المأثور الثابت من أحاديث النبي مع استشفاف ما لا بد أن يكون في عبارتها من حكمة دنيوية أيضا. ويتبادر لنا من ذلك قصد تبشير الأحياء من المسلمين وتطمينهم بالنسبة لشهدائهم الأعزاء وبالنسبة لأنفسهم. وحثهم على الثبات على دين الله والجهاد في سبيله الذي يضمن لهم التكريم الرباني العظيم.
وإطلاق العبارة في الآيتين يسوغ القول : إن فيها علاجا روحيا قويا مستمر المدى في صدد الحث على الجهاد مهما كانت النتيجة. يستمد منه المؤمن المخلص في كل وقت إيمانا وثباتا وجرأة وإقداما. فما دام الموت أمرا محتما على كل امرئ وما دام أنه لا يكون إلا في الأجل المعين عند الله وما دام للشهيد هذه الحياة الكريمة عند الله فضلا عما له عند الناس من كرامة وحسن ذكر فليس من موجب للخوف من الجهاد، ولا للجزع من نتائجه مهما كانت.
التفسير الحديث
دروزة