ﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆ ﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔ ﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨ ﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱ ﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓﰔ

فالإيمان الصادق يحمل صاحبه على الخوف من الله وحده، وقد مدح الله المؤمنين بالخوف، فقال: يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ [النحل ١٦/ ٥٠].
وفي سنن ابن ماجه عن أبي ذرّ قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطّت «١» السماء، وحقّ لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدا لله، والله لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا، وما تلذذتم بالنساء على الفرشات، ولخرجتم إلى الصّعدات «٢» تجأرون «٣» إلى الله» قال أبو ذر: «والله لوددت أني كنت شجرة تعضد «٤» ».
إزالة الحزن من قلب النبي صلّى الله عليه وسلّم بعد أحد ومناقشة الكفار والبخلاء وتمييز الخبيث من الطيب
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٧٦ الى ١٨٠]
وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٧٦) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٧) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (١٧٨) ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠)

(١) أطت السماء: صوتت.
(٢) الصعدات: الطرق.
(٣) تجأرون: رفع الأصوات بالدعاء متضرعين.
(٤) تعضد: تقطع بالمعضد كالمنجل.

صفحة رقم 173

الإعراب:
وَلا يَحْزُنْكَ قرئ بفتح الياء وضمها، فمن قرأ بالفتح جعله من حزنه وهو فعل ثلاثي، ومن قرأ بالضم جعله من أحزنه، وهو فعل رباعي.
وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَحْسَبَنَّ: قرئ بالياء والتاء، فمن قرأ بالياء كان الَّذِينَ كَفَرُوا في موضع رفع بأنه فاعل يَحْسَبَنَّ، وتقديره: ولا يحسبن الكافرون. والَّذِينَ اسم موصول، والهاء المحذوفة من نُمْلِي هي العائد إليه. وخَيْرٌ خبر أن، وأن وما عملت فيه سدت مسدّ المفعولين. ومن قرأ بالتاء كان الَّذِينَ المفعول الأول، وأَنَّما وما بعدها بدلا من الَّذِينَ وسدّ مسد المفعول الثاني، وما بمعنى الذي، وتكون ما ونملي مصدرا.
وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ يَحْسَبَنَّ: قرئ بالياء والتاء، فمن قرأ بالياء فموضع الَّذِينَ يَبْخَلُونَ رفع لأنه فاعل حسب، وحذف المفعول الأول لدلالة الكلام عليه.
وهُوَ ضمير فصل عند البصريين، وعماد عند الكوفيين. وخَيْراً مفعول ثاني منصوب.
وتقديره: ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله البخل خيرا لهم. ومن قرأ بالتاء فموضع الَّذِينَ يَبْخَلُونَ نصب لأنه مفعول أول على تقدير حذف مضاف تقديره: ولا تحسبن بخل الذين يبخلون. وهُوَ فصل. وخَيْراً هو المفعول الثاني.
البلاغة:
يوجد استعارة في اشْتَرَوُا الْكُفْرَ وفي يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ وفي الْخَبِيثَ والطَّيِّبِ إذ يراد به المؤمن والمنافق. ويوجد طباق في الْكُفْرَ، بِالْإِيْمانِ
المفردات اللغوية:
وَلا يَحْزُنْكَ يكدرك ويؤلمك، من حزن بمعنى أحزن يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ يبادرون

صفحة رقم 174

في نصرته، وهم أهل مكة أو المنافقون، أي لا تهتم لكفرهم. حَظًّا نصيبا من الثواب فِي الْآخِرَةِ في الجنة، فلذلك خذلهم.
اشْتَرَوُا الْكُفْرَ أخذوا الكفر بدل الإيمان، كما يفعل المشتري بمبادلة المبيع بالثمن.
نُمْلِي نمهل، والإملاء: الإمهال لَهُمْ بتطويل الأعمار وتأخيرهم.
لِيَزْدادُوا إِثْماً بكثرة المعاصي أي لتكون عاقبتهم زيادة الإثم. وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ذو إهانة في الآخرة.
يَمِيزَ أي يميّز ويفرز ويفصل الْخَبِيثَ المنافق مِنَ الطَّيِّبِ المؤمن، أي ليظهر الفارق الواضح بين المنافق والمؤمن بالتكاليف الشاقة، كما في يوم أحد.
وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ فتعرفوا المنافق من غيره قبل التمييز.
يَجْتَبِي يختار ويصطفي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فيطلعه على غيبه، كما أطلع النبي صلّى الله عليه وسلّم على حال المنافقين وَتَتَّقُوا النفاق آتاهُمُ أعطاهم من مال غيره سَيُطَوَّقُونَ أي سيلزمون وبال ما بخلوا به إلزام الطوق ما بَخِلُوا بِهِ أي بزكاته يَوْمَ الْقِيامَةِ بأن يجعل حية في عنقه تنهشه كما ورد في الحديث. وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يرثهما بعد فناء أهلهما والميراث: ما يتوارثه أهلهما من مال وغيره وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فيجازيكم به.
سبب النزول:
نزول الآية (١٧٩) :
ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ:
قال السدي: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: عرضت عليّ أمتي في صورها كما عرضت على آدم، وأعلمت من يؤمن بي ومن يكفر، فبلغ ذلك المنافقين فاستهزؤوا وقالوا: يزعم محمد أنه يعلم من يؤمن به ومن يكفر، ونحن معه ولا يعرفنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال الكلبي: قال قريش: تزعم يا محمد أن من خالفك فهو في النار، والله عليه غضبان، وأن من اتبعك على دينك فهو من أهل الجنة، والله عنه راض، فأخبرنا بمن يؤمن بك ومن لا يؤمن بك، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

صفحة رقم 175

وقال أبو العالية: سأل المؤمنون أن يعطوا علامة يفرق بها بين المؤمن والمنافق، فأنزل الله تعالى هذه الآية «١».
سبب نزول الآية (١٨٠) :
وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ.. جمهور المفسرين على أنها أنزلت في مانعي الزكاة. وروى عطية عن ابن عباس أن الآية نزلت في أحبار اليهود الذين كتموا صفة محمد صلّى الله عليه وسلّم ونبوّته، وأراد بالبخل: كتمان العلم الذي آتاهم الله تعالى «٢».
المناسبة:
أدى انتصار المشركين في أحد وإصابة المؤمنين بشيء كثير من الأذى، إلى استغلال المنافقين تلك النتيجة، فصاروا يقولون: لو كان محمد نبيا ما قتل ولا هزم، وإنما هو طالب ملك، فتارة ينتصر وتارة ينهزم، وبادروا في نصرة الكفار وتثبيط المؤمنين عن القتال، فتألم النبي صلّى الله عليه وسلّم وحزن، فنزلت هذه الآيات تسري عنه وتزيل الحزن من نفسه، كما سرّى عنه حينما أعرض الكافرون عن الإيمان، وطعنوا في القرآن أو شخصه، في قوله تعالى: وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ، إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً [يونس ١٠/ ٦٥] وقوله: فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً [الكهف ١٨/ ٦].
التفسير والبيان:
يخاطب الله تعالى نبيه صلّى الله عليه وسلّم لشدة حرصه على الناس: لا يحزنك أيها الرسول مبادرة الكفار إلى المخالفة والعناد والشقاق ومناصرة الكفر، كأبي سفيان وغيره من أهل مكة، واليهود والمنافقين.

(١) أسباب النزول للواحدي: ص ٧٥- ٧٦
(٢) المرجع السابق: ص ٧٦

صفحة رقم 176

إنهم لن يضروا أولياء الله وهم النبي وصحته شيئا من الضرر، وإنما يضرون أنفسهم، ويحاربون الله تعالى ويستعدونه عليهم والدائرة تكون عليهم، ويحرمون من ثواب الله تعالى في الآخرة، ولهم عذاب عظيم لا يعرف قدره، والله يعاقبهم على فعلهم لا يظلمهم، وإنما هم الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم وضلالهم ومناصرتهم ملة الكفر ومقاومة المؤمنين: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ.
[فاطر ٣٥/ ٤٣] وهذا يدل على أنه لا يؤبه بهم ولا يخشى خطرهم.
وهي مثل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ، لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ، مِنَ الَّذِينَ قالُوا: آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ [المائدة ٥/ ٤١].
وهذا لا يقتصر عليهم، وإنما هو حكم عام مقرر يشمل كل من آثر الكفر على الإيمان، لذا قال: إن الذين استبدلوا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئا، ولكن يضرون أنفسهم، ولهم عذاب مؤلم شديد الألم في الدنيا والآخرة.
وهي تشبه آية أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ، نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ، بَلْ لا يَشْعُرُونَ [المؤمنون ٢٣/ ٥٥] وآية: فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ [القلم ٦٨/ ٤٤] وآية: وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ، إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا، وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ [التوبة ٩/ ٨٥].
ثم بيّن تعالى استدراج الكافرين وإمهالهم لوقت معين، فأخبر أنه لا يحسبن هؤلاء الكفار أن إمهالنا لهم وإطالة أعمارهم خير لأنفسهم لأنهم لا يستغلون العمر في عمل الخير، وإنما يستغلونه في الشر، فتكون عاقبتهم ازدياد الإثم على الإثم، والمبالغة في الباطل والبهتان، ولهم عذاب مهين: ذو إهانة وإذلال لهم، أي إنما هو معدّ لهم.
ولا يظنن الكفار أن إمهالنا يقصد به ازدياد الإثم كما يفعلون، وإنما الإمهال

صفحة رقم 177

لهم هو ليتوبوا ويدخلوا في الإيمان، لا لزيادة الإثم وللتعذيب، فيكون الإملاء خيرا لهم، ولكن علم الله سابقا أن بعضهم لن يعود إلى دائرة الحق والخير والرشاد، فهؤلاء لهم عذاب مهين.
قال الزمخشري في قوله: أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ: ما: هذه حقها أن تكتب متصلة لأنها كافة، دون الأولى. وهذه جملة مستأنفة تعليل للجملة قبلها، كأنه قيل: ما بالهم لا يحسبون الإملاء خيرا لهم؟ فقيل: إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً.
فإن قلت: كيف جاز أن يكون ازدياد الإثم غرضا لله تعالى في إملائه لهم؟
قلت: هو علة للإملاء، وما كل علة بغرض، فلو قلت: قعدت عن الغزو للعجز والفاقة، وخرجت من البلد لمخافة الشر، ليس شيء منها بغرض لك، وإنما هي علل وأسباب، فكذلك ازدياد الإثم جعل علة للإمهال وسببا فيه.
فإن قلت: كيف يكون ازدياد الإثم علة للإملاء، كما كان العجز علة للقعود عن الحرب؟ قلت: لما كان في علم الله المحيط بكل شيء أنهم مزدادون إثما، فكأن الإملاء وقع من أجله وبسببه، على طريق المجاز «١».
والخلاصة: إن هذا الإمهال والتأخير ليس عناية من الله بهم، وإنما هو قد جرى على سنته في الخلق: بأن ما يصيب الإنسان من خير أو شر، فإنما هو ثمرة عمله. ومن مقتضى هذه السنة العادلة أن يغتر الإنسان بهذا الإمهال، ويسترسل في فجوره، فيوقعه ذلك في الإثم، الذي يترتب عليه العذاب المهين «٢».
ثم بيّن الله تعالى أن المحن والشدائد تظهر صدق الإيمان، وأنه لا بد من أن

(١) الكشاف: ١/ ٣٦٤
(٢) تفسير المنار: ٤/ ٢٠٥، تفسير المراغي: ٤/ ١٤١

صفحة رقم 178

يعقد شيئا من المحنة، يظهر فيه وليه ويفضح به عدوه، فلا يترك الناس على مثل حالتهم يوم أحد، حتى يميز المؤمن من المنافق، ويعرف المؤمن الصابر والمنافق الفاجر، كما قال تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ [محمد ٤٧/ ٣١].
يقصد به أن يوم أحد كان اختبارا امتحن الله به المؤمنين، فظهر به إيمانهم وصبرهم وجلدهم وثباتهم وطاعتهم لله ولرسوله صلّى الله عليه وسلّم، وهتك به ستار المنافقين، فظهرت مخالفتهم ونكولهم عن الجهاد، وخيانتهم لله ولرسوله صلّى الله عليه وسلّم.
وقد يفكر بعض الناس أن تمييز المؤمن الصادق من المنافق يحدث بالوحي وبأن يطلع الله المؤمنين على الغيب، فأجاب الله تعالى: لم يكن من شأنه تعالى أن يطلع عامة الناس على الغيب، وإنما خلق الإنسان وقدر له أن يصل إلى مراده بعمله الكسبي الذي ترشد إليه الفطرة ويهدي إليه الدين وتدل عليه النبوة، فهو تعالى يختار من رسله من يشاء، ويطلعه على بعض المغيبات، كما قال سبحانه: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً، إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ [الجن ٧٢/ ٢٦- ٢٧] ثم يخبر الرسول بعض الناس بنفاق رجل وإخلاص آخر، فيكون مصدر ذلك الخبر هو اطلاع الله على كفر أناس وإيمانهم، لا أنه يطلعه على ما في القلوب اطلاع الله.
ثم يترك الناس لتمييز المؤمن منهم والمنافق بواسطة الأسباب الكاشفة عن ذلك.
لذا يجب عليكم الإيمان بالله والرسل ومنهم محمد صلّى الله عليه وسلّم، وإطاعة الله والرسول واتباعه فيما شرع لكم، والاعتقاد بأن الرسل لا يخبرون عن شيء إلا بما أخبرهم الله به من الغيوب. وهذا رد على الكافرين، قال السّدّي: قال الكافرون: إن كان محمد صادقا فليخبرنا من يؤمن منا ومن يكفر، فنزلت.

صفحة رقم 179

وإن تؤمنوا بما جاؤوا به من أخبار الغيب، وتتقوا الله بفعل ما أمر به واجتناب ما نهى عنه، فلكم ثواب عظيم لا يستطيع أحد تحديد مقداره.
ويلاحظ أن القرآن يقرن دائما بين الإيمان والتقوى، كما يقرن بين الصلاة والزكاة، لتلازمهما والاعلام بأن الإيمان لا يكتمل إلا بهما، ويقرن أيضا بين الجهاد بالنفس والجهاد بالمال.
وبما أن الآيات السابقة كانت في الحث على الجهاد والتحريض على بذل النفس، أعقب ذلك الحث على بذل المال في الجهاد.
فلا يظننّ أحد أن بخل البخلاء خير لهم بكنز المال وادخاره، وأن الجود والإنفاق يفقر، وإنما هو شر عظيم على الأمة والفرد في الدنيا والآخرة، والمراد بالبخل: حجب الزكاة المفروضة عن المستحقين، وعدم الصدقة عند رؤية حاجات المحتاجين.
أما ضرر البخل في الدنيا فتعريض مال الغني للضياع والنهب والسرقة والأحقاد، وفي عصرنا وغيره ظهور الحملات الشنيعة على الأغنياء المترفين، وانتشار الأفكار والنظريات المسماة بالاشتراكية التي ظهرت لتقويض أركان الرأسمالية.
وأما ضرره في الآخرة والدين: فهو ما أخبر عنه تعالى بأنهم سيلزمون وبال بخلهم وعاقبة شحهم إلزام الطوق في العنق، فلا يجدون مناصا ولا مهربا من توجيه اللوم والسؤال والعقاب على فعلهم.
أخرج البخاري عن أبي هريرة قال:
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من آتاه الله مالا، فلم يؤد زكاته، مثّل له شجاعا أقرع له زبيبتان، يطوّقه يوم القيامة، يأخذ بلهزمتيه- أي شدقيه- ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك» ثم تلا هذه الآية: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ، بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ.. إلى آخر الآية.

صفحة رقم 180

والحقيقة أن لله ما في السموات والأرض مما يتوارثه أهلهما من مال وغيره، فكيف يصح لقوم يبخلون عليه بملكه، ولا ينفقونه في سبيله. وهذا مثل قوله تعالى: وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ [الحديد ٥٧/ ٧] فإن الأمور كلها مرجعها إلى الله عز وجل، فقدموا من أموالكم ما ينفعكم يوم معادكم، والله خبير بنياتكم وضمائركم وأعمالكم، لا تخفى عليه خافية منها، ويجازي كل نفس بما كسبت من خير أو سوء.
فقه الحياة أو الأحكام:
لا داعي للغم والحزن على مناصرة الكفار واليهود والمنافقين ألوان الكفر، فهم لن يضروا إلا أنفسهم، بتعريضها للعذاب الشديد، وبالإعلام عن سوء تصرفهم وسخف عقولهم وخطأ رأيهم، ولن يضروا بالتأكيد النبي صلّى الله عليه وسلّم، فإن المطلوب منه هو الإبلاغ، والله مؤيده وناصره وحافظه وعاصمه من الناس.
لكن قال القشيري: والحزن على كفر الكافر طاعة، ولكن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يفرط في الحزن على كفر قومه، فنهي عن ذلك، كما قال: فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ [فاطر ٣٥/ ٨] وقال: فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً [الكهف ١٨/ ٦].
ولن يضروا الله شيئا أي لا ينقصون من ملك الله وسلطانه شيئا بكفرهم.
وقد أكد تعالى هذا المعنى في كلتا الآيتين (١٧٦، ١٧٧) فهم سواء بادروا إلى نصرة الكفر، أو أخذوا الكفر بدلا عن الإيمان، لن يضروا الله شيئا قليلا ولا كثيرا، وإنما يضرّون أنفسهم بما أوجبوا لها من العذاب الأليم.
والله تعالى لا يعجل أحدا بعقوبة على ذنب ولو كان الذنب كالكفر كبيرا، وإنما يمهله ويزيد في عمره ويوفر له رغد العيش ليتوب ويتمكن من العمل الصالح، فكأن شأن الإمهال وإطالة العمر أن يحقق الأثر المنشود وهو الإيمان

صفحة رقم 181

وطاعة الله والرسول وزيادة الحسنات، والإقلال من السيئات، ولكن الأمر في واقع الناس مفهوم خطأ، فاستمروا في غيهم وضلالهم وكفرهم، وتوهموا أن زيادة العمر ورغد العيش وإرجاء العذاب عنهم هو خير لهم، مع أنه شر مستطير وسبب لزيادة الإثم والذنب، واستحقاق العذاب الأليم جزاء وفاقا.
لا يحسبن هؤلاء الذين يخوفون المسلمين ويشككونهم في جدوى الإيمان والعمل الصالح أنهم يفعلون خيرا، فإن الله قادر على إهلاكهم، ولا يظنون أن ما أصابوه من ظفر يوم أحد كان خيرا لهم، وإنما كان ذلك سببا في زيادة عقوبتهم. قال ابن مسعود: ما من أحد برّ ولا فاجر إلا والموت خير له لأنه إن كان برّا فقد قال الله تعالى: وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ [آل عمران ٣/ ١٩٨] وإن كان فاجرا فقد قال الله: إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً.
وفي الشدائد والمحن اختبار مدى صدق الإيمان، فبها يتميز المؤمن والمنافق، وحينئذ ينكشف حال المنافقين فيحذرهم المسلمون، ويقدرون مدى ما لديهم من القوة الصحيحة التي يمكن الاعتماد عليها، بل إن المحنة توضح مدى إيمان المؤمن، فلا يغتر بالظواهر، ويقف على حقيقة حاله من ضعف في الاعتقاد، وفساد في الأخلاق، ومرض في النفس.
والاطلاع على الغيب مقصور على الأنبياء والرسل، فهم أهل الكرامة والمرتبة العالية التي تؤهلهم لذلك الاطلاع، وما على الناس إلا أن يؤمنوا بما جاء به الرسل من أخبار الغيب، ويتقوا الله حق تقاته بامتثال المأمورات وترك المنهيات والمحظورات. ولا يشتغل الكفار بما لا يعنيهم من تعريفهم بمن يؤمن منهم ومن لا يؤمن، وعليهم الاشتغال بما يعنيهم وهو الإيمان أي التصديق واليقين لا التشوف إلى اطلاع الغيب، فإن آمنوا واتقوا لهم الجنة.
ودلت آية وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ.. على ما يأتي:

صفحة رقم 182

١- لا يحسبن الباخلون البخل خيرا لهم، بل هو شر لهم لأنهم ببخلهم يعرّضون أموالهم للضياع والتلف والسرقة وغيرها، ويضرون أمتهم لتقصيرهم بما يجب عليهم من التكافل الاجتماعي والتعاون على القضاء على ظاهرة الفقر، والفقر يضر بالأمة جمعاء، وحياة الأمم متوقفة على بذل النفس والمال.
والفرق بين البخل والشح: أن الأول: هو الامتناع من إخراج ما حصل عندك، والثاني: الحرص على تحصيل ما ليس عندك. والصحيح أن الشح هو البخل مع حرص،
لما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم».
٢- وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يدل على بقاء الله تعالى ودوام ملكه، وأنه في الأبد كهو في الأزل غني عن العالمين، فيرث الأرض بعد فناء خلقه وزوال أملاكهم، فتبقى الأملاك والأموال لا مدّعى فيها، فجرى هذا مجرى الوراثة في عادة الخلق، وهو ليس بميراث في الحقيقة، لأن الوارث في الحقيقة:
هو الذي يرث شيئا لم يكن ملكه من قبل، والله سبحانه وتعالى مالك السموات والأرض وما بينهما. ونظير هذه الآية قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها [مريم ١٩/ ٤٠] والمعنى في الآيتين: أن الله تعالى أمر عباده بأن ينفقوا ولا يبخلوا قبل أن يموتوا ويتركوا ذلك ميراثا لله تعالى، ولا ينفعهم إلا ما أنفقوا.
٣- علم الله تعالى واسع ودقيق، فهو يعلم صغار الأشياء والأعمال وكبارها، ويعلم ما دقّ وخفي من الأعمال، بل يعلم السر وأخفى، فيجازي كل عامل بما عمل، ويكافئه بحسب نيته، كما جاء
في الحديث المشهور عن عمر لدى الشيخين: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى».

صفحة رقم 183

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية