لَديْهِ" (١)
قال عَطَاءَ (٢): كانت بنو إسرائيل يَذْبَحون لله، فيأخذون الثُّرُوبَ (٣) وأطايِبَ اللَّحْم، يضعونها في وسْطِ بَيْتٍ، والسَّقْفُ مكشوفٌ، فيقومَ النبيُّ في البيت، ويُناجي رَبَّهُ، وبنو إسرائيل خارجون حول البيت، فتنزل نارٌ (٤) بيضاء لها دَويٌّ وحَفِيفٌ، ولا دُخانَ لها، فتأكل ذلك القربان، فقال الله -تعالى- إقامةً للحُجَّةِ عليهم:
قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ، إلى آخرها.
وخُوطِب [بهذا] (٥) اليهودُ الذين كانوا في عهد النبي - ﷺ - لأنهم يجرون مجرَى أسلافهم؛ لِرِضاهم بمذاهبهم، وكونهم على طريقتهم.
وقد مضى مثل هذا في أوائل سورة البقرة (٦).
١٨٤ - قوله تعالى: فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ الآية.
وأورده المتقي الهندي في: "كنز العمال": ٦/ ٧١ - ٧٢ رقم (١٤٨٩٣)، وزاد نسبة إخراجه لعبد بن حميد، والدارمي، وابن زنجويه، وسعيد بن منصور، والطبري، والطبراني، وأبي نعيم في: الحلية، والبيهقي في: الشعب.
(١) في (ج): (إليه).
(٢) قوله، في: "تفسير الثعلبي" ٣/ ١٦٥ أ، و"زاد المسير" ١/ ٥١٦.
(٣) الثُّرُوب، جمع: ثَرْب، وهو: شحم رقيق يغشى الكرش والأمعاء. انظر: "القاموس" ٨٠ (ثرب).
(٤) في (ج)، و"تفسير الثعلبي": (نارا).
(٥) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).
(٦) انظر: تفسير قوله تعالى: وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ. من الآية: ٦١ من سورة البقرة، في "تفسير البسيط".
قال ابن عباس (١)، والحسن (٢)، والضحّاك (٣)، وابن جريج (٤): هذه
الآية تعزِيَةٌ للنبي - ﷺ -، في تكذيب اليهود إيَّاه، وجوابٌ لقائلٍ يقول: لو كان
ما جاء به حقًّا لَصَدّق به مَن أتاه من العقلاء، وبيان أنهم إن كَذَّبوهُ،
فالتكذيب عادة للأمم، وسائر الرُّسُل قد كُذّبوا كما كُذِّب.
وقوله تعالى: وَالزُّبُرِ.
معناه: الكُتُب. وهو جَمْعُ (زَبُور). والزَّبُور: الكتاب؛ بمعنى: المَزْبُور؛ أي: المكتوب. يقال: (زَبَرْتُ الكِتَابَ)؛ أي: كتبته. وكُلُّ كِتَابٍ زَبُورٌ (٥).
قال امرؤ القيس:
| لِمَنْ طَلَلٌ أبْصَرْتُهُ فَشَجانِي | كَخَطِّ زَبُورٍ في عَسِيبِ يَمَانِ (٦) |
(٢) لم أقف على مصدر قوله.
(٣) قوله في "تفسير الطبري" ٤/ ١٩٨.
(٤) قوله في المصدر السابق.
(٥) انظر: "تهذيب اللغة" ٢/ ١٥٠٦ (زبر)، و"تفسير الطبري" ٤/ ١٩٨.
(٦) قوله: (عسيب) في (أ)، (ب)، (ج) لم تضبط بالشكل. البيت في "ديوانه" ص ١٦٥. وورد منسوبًا له في: "تفسير الطبري" ٤/ ١٩٨، و"اللامات" ٦٣، و"تفسير الثعلبي" ٣/ ١٦٤ب، و"تفسير القرطبي" ٤/ ٢٩٦، و"المحرر الوجيز" ٣/ ٤٤٥، و"اللسان" ٤/ ٢٤٣٤ (صرع).
الطَّلَل: ما بقي من آثار الدار. وجمعها: (أطلال)، و (طُلُول).
وقوله: (فشجاني) -هنا-: أحزنني، وترد بمعنى: أطربني؛ لأنها من الأضداد.
والعَسيب: جريدة من النخل مستقيمة دقيقة، يُكْشَطُ خوصُها.
ويريد الشاعر: أنه نظر إلى هذا الطَّلَل، فأحْزَنَه، حيث خفيت آثارُه واندَرَست، فأصبحت في خفائِها كخط كتابِ في عَسِيب النخلة. =
وقال الزّجاج (١): الزَّبُور: كلُّ كِتَابٍ ذي (٢) حِكْمَةٍ. وعلى هذا، يُشْبِهُ أنْ يكونَ معنى الزَّبُورِ، مِنَ: (الزَّبْرِ)، الذي هو: الزَّجْر. يقال: (زَبَرْتُ الرجلَ، أزْبُرُهُ زَبْرًا): إذا زَجَرْتُه مِنَ (٣) الباطل (٤). وسمّي الكتاب: (زَبُورًا)؛ لما فيه من الزَّبْر عن خلاف الحق. وبه سُمِّي زَبُورُ داود؛ لِكثرة ما فيه من المَزَاجِرِ، والمواعظ.
وقرأ (٥) ابنُ عامر (٦):
وَبِاَلزُّبُرِ (٧)، ووجهه أنه أعاد الباءَ، وإنْ كانَ مُسْتَغْنًى عنه؛ لِضَرْبٍ
وقيل أيضًا (في عسيبِ يَمان): فهي بمعنى: في عسيب رجلٍ يَمَانِ. انظر: "المجمل" لابن فارس ٥٢٢ (شجو)، و"اللسان" ٥/ ٢٩٣٥ (عسب).
(١) في: "معاني القرآن" له ١/ ٤٩٥.
(٢) في "معاني القرآن": ذو.
(٣) في (ج): (عن).
(٤) انظر: (زبر) في: "تهذيب اللغة" ٢/ ١٥٠٦، و"اللسان" ٣/ ١٨٠٤.
وقال الأزهري -ناقلًا عن أبي الهيثم-: (وأصل (الزَّبْر): طيُّ البئر؛ إذا طُوِيت تماسكت واستحكمت. والزَّبْرُ: الزجر؛ لأن من زبرته عن الغَيِّ، فقد أحكمته؛ كَزَبْرِ البِئْرِ بالطِّين).
(٥) من قوله: (وقرأ..) إلى (.. حَسَن عربي): نقله -بمعناه- عن "الحجة" للفارسي ٣/ ١١٤.
(٦) هو: أبو عمران، عبد الله بن عامر بن تميم اليَحْصَبي. إمام أهل الشام في القراءة، أحد القراء السبعة، توفي سنة (١١٨ هـ).
انظر: "الفهرست" ص ٤٩، و"معرفة القراء الكبار" ١/ ٨٢، و"النشر" ١/ ١٤٤.
(٧) انظر قراءة ابن عامر في: "إعراب القراءت السبع" لابن خالويه ١/ ١٢٥، و"الحجة" للفارسي ٣/ ١١٣.
من التأكيد. ومما جاء على قياس هذه القراءة، قولُ رُؤبَة:
يا دارَ عَفْراءَ وَدارَ البَخْدَنِ (١)
فَكَرَّرَ الدارَ، والدار واحدةٌ لهما (٢). يدلك (٣) على ذلك: قوله:
فيكِ المَهَا مِنْ مُطْفِلٍ ومُشْدِنِ (٤)
تصحيح: وليم بن الورد. ط ليبسغ سنة: ١٩٠٣م). وقد ورد منسوبًا له، في: "كتاب سيبويه" ٢/ ١٨٨، و"شرح أبيات سيبويه" للنحاس (تح: زهير غازي) ١٣١، و"المخصص" ٣/ ٢٩، و"إعراب القرآن" المنسوب للزجاج ٤٥٣.
وورد غير منسوب، في "اللسان" ١/ ٢٢٠ (بخدن). وقال في "اللسان": (وبَخْدَن، وبِخْدِن، كل ذلك اسم امراة)، ثم ذكر البيت، وضَبَطَها فيه: (البِخْدِنِ).
(٢) (لهما): ساقطة من (ج).
(٣) في (ج): (يدل).
(٤) في (ج): (ومشدّن) بتشديد الدال. وهي خطأ. والبيت تكملة للبيت السابق. انظر: ديوانه (ضمن مجموعة أشعار العرب: ١٦٠)، و"شرح أبيات سيبويه" للنحاس ١٣١.
المَها: بقر الوحش. وتجمع على (مَهَوَات)، و (مَهَيَات)، ومفردها: مَهَاة. انظر: "القاموس المحيط" ص ١٣٣٦ (مهو).
و (المَهَا المُطْفِل): التي لها أولادٌ صِغار. و (المها المُشْدِن): التي شَدَن ولدها، أي: قوي جسمُه وترَعْرَعَ، وطَلَع قرناه، واستغنى عن أمِّه. يقال: (شَدَنَ، يَشْدُن، شُدُونًا)، فـ (هو شَادِن). انظر: "اللسان" ٤/ ٢٢١٧ (شدن)، و"القاموس" ص ١٣٣٦ (مهو)، ص١٠٢٥ (طفل).
ولم يورد الفارسي، في "الحجة" هذا المقطع من البيت، وإنما أورد بدلًا منه بيتًا آخر من نفس القصيدة، وهو:
| أمَا جَزَاءُ العارف المُسْتَيْقِنِ | عندكِ إلّا حاجة التَّفَكُّنِ |