ﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳ

وقوله : لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ كقوله وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأمْوَالِ وَالأنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ [ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ](١) [ البقرة : ١٥٥، ١٥٦ ] أي : لا بد أن يبتلى المؤمن في شيء من ماله أو نفسه أو ولده أو أهله، ويبتلى المؤمن(٢) على قدر دينه، إن(٣) كان في دينه صلابة زيد في البلاء وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا يقول تعالى للمؤمنين عند مَقْدمهم المدينَة قبل وقعة بدر، مسليا لهم عما نالهم(٤) من الأذى من أهل الكتاب والمشركين، وآمرًا لهم بالصبر والصفح والعفو حتى يفرج الله، فقال : وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ
قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، أخبرني عُرْوة بن الزبير : أن أسامة بن زيد أخبره قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى، قال الله : وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا قال : وكان رسول الله(٥) صلى الله عليه وسلم يتأول في العفو ما أمره الله به، حتى أذن(٦) الله فيهم.
هكذا رواه مختصرا، وقد ذكره البخاري عند تفسير هذه الآية مطولا فقال : حدثنا أبو اليمان، أنبأنا شعيب، عن الزهري أخبرني عروة بن الزبير ؛ أن أسامة بن زيد أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب على حمَار، عليه قطيفة فَدكيَّة وأردف أسامة بن زيد وراءه، يعود سَعْدَ بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج، قَبْل وقعة بَدْر، قال : حتى مر بمجلس فيه عبد الله بن أبي بن سَلُول، وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي، فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين، عَبَدَة الأوثان واليهود والمسلمين، وفي المجلس عبدُ الله بن رَوَاحة، فلما غَشَيت المجلسَ عَجَاجةُ الدابة خَمَّر عبد الله بن أبي أنفه بردائه وقال :" لا تُغَبروا علينا. فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم(٧) ثم وقف، فنزل فدعاهم إلى الله عز وجل، وقرأ عليهم القرآن، فقال عبد الله بن أبَي : أيها المَرْء، إنه لا أحْسَنَ مما تقول، إن كان حقا فلا تؤْذنا به في مجالسنا، ارجع إلى رحلك، فمن جاءك فاقصص عليه. فقال عبد الله بن رواحة : بلى(٨) يا رسول الله، فَاغْشنَا به في مجالسنا فإنا نُحب ذلك. فاستَب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يَتَثَاورون(٩) فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يُخفضهم حتى سكتوا، ثم ركب النبي صلى الله عليه وسلم دَابته، فسار حتى دخل على سعد بن عُبَادة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :" يا سعد، ألم تَسْمَع إلى ما قال أبو حُبَاب(١٠) - يريد عبد الله بن أبي - قال كذا وكذا ". فقال سعد : يا رسول الله، اعف عنه واصفح(١١) فوَالله الذي(١٢) أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله(١٣) بالحق الذي أنزل عليك، ولقد اصطلح أهل هذه البُحَيْرَة(١٤) على أن يُتَوِّجوه وَيُعَصِّبُوه(١٥) بالعصابة، فلما أبى(١٦) الله ذلك بالحق الذي أعطاك الله شرق بذلك، فذلك الذي فَعَل(١٧) به ما رأيتَ، فعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب، كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى، قال الله تعالى : وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا [ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ ] (١٨) وقال تعالى : وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ الآية [ البقرة : ١٠٩ ]، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يَتَأوّل في العفو ما أمره الله به، حتى أذنَ الله فيهم، فلما غزا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بدرًا، فقتل الله به صناديد كفار قريش، قال عبد الله بن أبَيّ ابن سَلُول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان : هذا أمر قد تَوَجّه، فبايعُوا الرسول صلى الله عليه وسلم على الإسلام(١٩) وأسلموا(٢٠) (٢١).
فكان من قام بحق، أو أمر بمعروف، أو نهى عن منكر، فلا بد أن يؤذَى، فما له دواء إلا الصبر في الله، والاستعانة بالله، والرجوع إلى الله، عز وجل.

١ زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "إلى آخر الآيتين"..
٢ في جـ، ر، أ، و: "المرء"..
٣ في أ، و: "فإن"..
٤ في جـ، ر: "ينالهم"..
٥ في أ: "النبي"..
٦ في أ: "أذنه"..
٧ في أ: "فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم".
.

٨ في أ: "بل"..
٩ في و: "يتبارزون"..
١٠ في أ: "حبان"..
١١ في جـ، ر، أ، و: "واصفح عنه"..
١٢ في جـ، ر، أ، و: "فوالذي"..
١٣ في و: "لقد خالفتهم"..
١٤ البحيرة المقصود بها: مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم..
١٥ في أ: "فيعصبوه"، وفي و: "فيعصبونه"..
١٦ في ر، أ،: "أتى"..
١٧ في أ: "ثقل"..
١٨ زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية"..
١٩ في جـ، أ، و: "على الإسلام فبايعوا"..
٢٠ في ر: "فأسلموا"..
٢١ صحيح البخاري برقم (٤٥٦٦)، ورواه مسلم في صحيحه برقم (١٧٩٨).
.

تفسير القرآن العظيم

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي

تحقيق

سامي سلامة

الناشر دار طيبة للنشر والتوزيع
سنة النشر 1420
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 8
التصنيف كتب التفسير
اللغة العربية