ﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳ

المعنى الجملي : بعد أن سلَّى نبيه فيما سلف عن تكذيب قومه له بأن كثيرََا من الرسل قبلك قد كُذِّبوا كما كُذِّبت و لاقَوْا من أقوامهم من الشدائد مثل ما لاقيت بل أشد مما لاقيت فقد قتلوا كثيرا منهم كيحيى و زكرياء عليهما السلام- زاده هنا تسلية و تعزية أخرى فأبان أن كل ما تراه من عنادهم فهو مُنتهِِِِِ إلى غاية و كل آت قريب فلا تضجر و لا تخزن على ما ترى منهم و أنهم سيجازون على أعمالهم في دار الجزاء كما تجازى و حسبك ما تصيب من حسن الجزاء و حسبهم ما أصيبوا به و ما يصابون به من الجزاء في الدنيا و سيوفون الجزاء كاملا يوم القيامة.
الذين أوتوا الكتاب : هم اليهود و النصارى و الذين أشركوا هم كفار العرب أذى كثيرا كالطعن في الدين و الافتراء على الله ورسوله و الصبر : تلقي المكروه بالاحتمال و كظم النفس عليه مع دفعه بروية و مقاومة ما يحدث من الجزع و التقوى : الابتعاد عن المعاصي من عزم الأمور : أي من صواب التدبير و ما ينبغي لكل عاقل أن يعزم عليه و يأخذ نفسه به من قولك : عزمت عليك أن تفعل كذا أي ألزمتك إياه على وجه لا يجوز الترخص فيه.
لتبلون في أموالكم و أنفسكم بعد أن سلى سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بما سبق آنفا زاد في تسليته بهذه الآية و أبان له أنه كما لقي هو و من معه من الكفار أذى أحد فسيلقون منهم أذى كثيرا بقدر ما يستطيعون من الإيذاء في النفس أو في المال و المقصد من هذا الإخبار أن يوطنوا أنفسهم على الصبر و ترك الجزع حتى لا يشق عليهم البلاء عند نزوله بهم.
و الابتلاء في الأموال يكون بالبذل في جميع وجوه البر التي ترفع شأن الأمة الإسلامية و تدفع عنها أعداءها و ترد عنها المكاره وتدفع عنها غوائل الأمراض و الأوبئة
والابتلاء في الأنفس يكون ببذلها في الجهاد في سبيل الله و بموت من تحب من الأهل و الأصدقاء أو بالمدافعة عن الحق و فائدة الابتلاء تمييز الخبيث من الطيب و فائدة الإخبار به أن نعرف السنن الإلهية و نهيئ أنفسنا لمقاومتها فإن من تقع به المصيبة فجأة على غير انتظار يعظم عليه الأمر و يحيط به الغم حتى ليقتله في بعض الأحايين لكنه إذا استعد لها اضطلع بها و قوي على حملها.
و كذلك من تحدث له النعمة على غير توقع لها فإنها تحدث له دهشة و تهيجا في الأعصاب و ربما أصيب بشلل أو اضطراب عقلي أو موت فجائي و الحوادث المشاهدة في هذا الباب كثيرة.
و لتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم و من الذين أشركوا أذى كثيرا هذا سبيل آخر من الابتلاء في الأنفس و خصه بالذكر لأهميته أي إنكم ستسمعون إيذاء كثيرا من اليهود و النصارى و المشركين و من ذلك حديث الإفك ( قذف أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ) و تألب اليهود عليهم و نقض عهودهم و محاولتهم قتل النبي صلى الله عليه وسلم حتى أجلاهم عن المدينة فأمن شرهم و اتفاق اليهود مع أحزاب المشركين و زحفهم على المدينة لاستئصال المسلمين فقد حاصروهم و أوقعوا بهم شديد البلاء و ضيقوا عليهم وفي ذلك يقول الله تعالى : إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا ( الأحزاب : ١٠-١١ ).
و إن تصبروا و تتفقوا فإن ذلك من عزم الأمور أي و إن تصبروا على ما سيحل بكم من البلاء في أموالكم و أنفسكم و على ما تسمعون من أهل الكتاب و المشركين من الأذى و تتقوا ما يجب اتقاؤه فإن ذلك الصبر و التقوى من معزومات الأمور أي الأمور التي ينبغي أن يعزمها كل أحد لما فيه من كمال المزية و الشرف.
روى الزهري أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعرا و كان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم و يحرض عليه كفار قريش في شعره و كان النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة و أهلها أخلاط من المسلمين و المشركين و اليهود فأراد النبي أن يستصلحهم كلهم فكان المشركون و اليهود يؤذونه و يؤذون أصحابه أشذ الأذى فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر على ذلك و فيهم أنزل الله تعالى : و لتسمعن من الدين أوتوا الكتاب الآية.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير