ﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳ

لتبلون في أموالكم وأنفسكم بالأمور التكليفية من الزكاة والصدقات والصوم والصلاة والحج والجهاد وبالمصائب من الجوائح والعاهات والخسران والأمراض وموت الأحباب ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا من هجاء الرسول الله صلى الله عليه وسلم والطعن في الدين وإغراء الكفرة على المسلمين أخبرهم بذلك قبل وقوعها لتوطنوا أنفسهم على الصبر والاحتمال وتستعدوا للقائها. روى ابن المنذر وابن حاتم في مسنده بسند حسن عن ابن عباس أنها نزلت فيما كان بين أبي بكر وفنحاص من قول إن الله فقير ونحن أغنياء كذا قال عكرمة ومقاتل والكلبي وابن جريح أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر إلى فنحاص بن عازوراء سيد بني قينقاع ليستمده وكتب إليه كتابا وقال لأبي بكر لا عليّ بشيء حتى ترجع، فجاء أبو بكر وهو متوشح بالسيف فأعطاه الكتاب فلما قرأ قال قد احتاج ربك إلى أن نمده، فهمّ أبو بكر أن يضربه بالسيف ثم ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم لا علي بشيء حتى ترجع فكفّ ونزلت هذه الآية. وذكر عبد الرزاق عن الزهري عن عبد الله بن كعب بن مالك : أنها نزلت في كعب بن الأشرف فإنه كان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم ويسب المسلمين ويحرض المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في شعره ويشبب بنساء المسلمين، قلت : وذلك بعد وقعة بدر لما رأى دولة الإسلام وقتل صناديد قريش وذهب إلى مكة ينتدب المشركين لقتال النبي صلى الله عليه وسلم، وقالت قريش أديننا أهدى أم دين محمد ؟ قال : بل دينكم، وهجاه حسان بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي الصحيح فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" من لي بابن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله شعره وقوى المشركين علينا " فقال محمد بن مسلمة الأنصاري رضي الله عنه : أنا لك يا رسول الله هو خالي أنا أقتله، قال :" أنت افعل إن قدرت على ذلك " فرجع محمد بن مسلمة فمكث ثلاثا لا يأكل ولا يشرب إلا ما تعلق نفسه، فذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسولا الله صلى الله عليه وسلم لم تركت الطعام والشراب ؟ قال : يا رسول الله قلت قولا ولا أدري أفي به أم لا ؟ فقال :" إنما عليك الجهد " وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : شاور سعد بن معاذ، فقال : توجه إليه واشك له الحاجة وسله أن يسلفك طعاما، فاجتمع محمد بن مسلمة وعباد بن بشر وأبو نائلة سلكان بن سلامة وكان أخ كعب من الرضاعة والحارث بن عبس والحارث بن أوس بن معاذ بعثه عمه سعد بن معاذ وأبو عبس بن حبر، فقالوا : يا رسول الله نحن نقتله فائذن لنا فلنقل بيننا فإنه لا بد لنا أن نقول فيك، قال : قولوا ما بدا لكم وأنتم في حل من ذلك، فقدّموا أبا نائلة فجاءه فتحدث معه وتناشدوا الشعر، كان أبو نائلة يقول الشعر ثم قال ويحك يا ابن الأشرف إني قد جئتك لحاجة أريد ذكرها فاكتم علي، قال : أفعل، قال : كان قدوم هذا الرجل بلادنا بلاء عادتنا العرب ورمونا عن قوس واحدة وانقطعت عنا السبل حتى ضاعت العيال وجهدت الأنفس، فقال كعب : لقد كنت أخبرتك أن الأمر سيصير إلى هذا، فقال أبو نائلة : إن معي أصحابا أردنا أن تبيعنا طعامك ونرهنك ونوثق لك وتحسن في ذلك، قال : ترهنوني أبناءكم، قالوا إنا نستحيي أن نعير أبناءنا فيقال هذا رهينة وسق وهذا رهينة وسقين، وقال ترهنوني نساءكم، قالوا : كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب ولا نأمنك ؟ وأية امرأة تمتنع منك لجمالك ؟ ولكنا نرهنك الحلقة – يعني السلاح- وقد علمت حاجتنا إلى السلاح، قال : نعم إن في السلاح لوفاء، وأراد أبو نائلة أن لا ينكر السلاح إذا رآه فواعده أن يأتيه، فرجع أبو نائلة إلى أصحابه فأخبرهم فأجمعوا أمرهم على أن يأتوه إذا أمسى لميعاده، ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عشاء فأخبروه. روى ابن إسحاق وأحمد بسند صحيح عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مشى معهم إلى بقيع الغرقد ثم وجههم ثم قال : انطلقوا على اسم الله اللهم أعنهم، ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته في ليلة مقمرة مثل النهار ليلة أربع عشرة من شهر ربيع الأول، فمضوا حتى انتهوا إلى حصن ابن الأشرف ليلا، وقال أبو نائلة لأصحابه إني فاتل شعره فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فدونكم فاضربوه، فهتف به أبو نائلة وكان ابن الأشرف حديث عهد بعرس فوثب في ملحفه فأخذت امرأته بناحتيها، وقالت إنك امرؤ محارب وإن أصحاب الحرب لا ينزلون في هذه الساعة وإني أسمع صوتا يقطر منه الدم فكلمهم من فوق الحصن، فقال إنه ميعاد عليّ وإنما هو ابن أختي محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة لو وجدوني نائما ما أيقظوني وإن الكريم إذا دعي إلى طعنة بليل أجاب، فنزل إليهم متوحشا بملحفة يفوح منها ريح الطيب فتحدث معهم ساعة ثم قالوا : يا ابن الأشرف هل لك في أن نتماشا إلى شعب العجوز فنتحدث فيه بقية ليلتنا هذه ؟ قال : إن شئتم، فخرجوا يتماشون فماشوا ساعة فقال أبو نائلة : نجد منك ريح الطيب، قال : تحتي فلانة من أعطر نساء العرب، قال : فتأذن لي أن أهمّ، قال نعم، فأدخل أبو نائلة يده في رأس كعب ثم شم يده، فقال : ما رأيت كالليلة طيبا أعطر قط، وكان كعب يدهن بالمسك الغتيب بالماء والعنبر حتى يتلبد في صدغيه وكان جدعا جميلا، ثم مشى أبو نائلة ساعة ثم عاد لمثلها حتى اطمأن إليه وسلسلت يده في شعره ثم عاد فأخذ بقرون رأسه حتى استمكن، وقال لأصحابه اضربوا عدو الله فاختلف أسيافهم فلم تغن شيئا، قال محمد بن مسلمة فذكرت مغولا في سيفي فأخذته وقد صاح عدو الله صيحة لم يبق حولنا حصن إلا أوقدت عليه نار، قال : فوضعته في تندؤته ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانته ووقع عدو الله، وعند ابن سعد فطعن أبو عبس في خاصرته، فجزوا رأس كعب، وقد أصيب الحارث بن أوس بن معاذ بجرح في رأسه أصابه بعض أسيافنا فخرجنا نشتد نخاف من يهود الأرصاد وقد أبطأ علينا صاحبنا الحارث بن أوس لجرح في رأسه ونزفه الدم، فناداهم اقرؤوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مني السلام فعطفوا عليه، فاحتملوه حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما بلغوا بقيع الغرقد آخر الليل كبروا وقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبيرهم بالبقيع كبرّو عرف أن قد قتلوه، ثم أتوه يعدون حتى وجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفا على باب المسجد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أفلحت الوجوه، قالوا : ووجهك يا رسول الله ورموا برأسه بين يديه فحمد الله تعالى على قتله، ثم أتوا بصاحبهم الحارث فتفل رسول الله صلى الله عليه وسلم على جرحه فلم يؤذه، فرجعوا إلى منازلهم. فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه، فوثب محيصة بن مسعود على شغينة رجل من تجار يهود كان يلابسهم ويبايعهم فقتله، وكان خويصة بن مسعود إذا ذاك لم يسام وكان أسن من محيصة، فلما قتله جعل خويصة يضربه ويقول : أي عدو الله قتله أما والله لرب شحم في بطنك من ماله، قال محيصة : والله لو أمرني بقتلك من أمرني بقتله لضربت عنقك، قال : لو أمرك محمد بقتلي لقتلتني قال نعم، قال : والله إن دينا بلغ بك هذا العجب فأسلم خويصة، فخافت اليهود فلم يطلع عظيم من عظمائهم ولم ينطقوا وخافوا أن يبيتوا كما بيّت ابن الأشراف. وعند ابن سعد فأصبحت اليهود مذعورين فجاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا قتل سيدنا غيلة، فذكرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم صنيعه وما كان يخص عليه ويحرض في قتاله ويؤذيه، ثم دعاهم أن يكتبوا بينهم وبينه صلحا فكان ذلك الكتاب مع علي رضي الله عنه. ( مسألة ) احتج الشافعي بهذه القصة على جواز قتل من سبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكفار أو انتقصه أو آذاه سواء كان بعهد أو بغير عهد، وقال أبو حنيفة : لا يقتل المعاهد بسبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن سبّه كفر والكفر لا ينافي العهد، وعند أبي حنيفة إنما قتل ابن الأشرف لأنه نقض العهد وذهب إلى مكة لتحريض المشركين على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عاهده أن لا يعين عليه أحدا وقد أهانهم. ( مسألة ) لا يجوز ان يقال إن هذا كان غدرا من محمد بن مسلمة وأبو نائلة رضي الله عنهما، وقد قال ذلك رجل في مجلس أمير المؤمنين علي رضي الله عنه فضرب عنقه، وإنما يكون الغدر بعد أمان ولم يؤمنه محمد بن مسلمة ولا رفقته رضي الله عنهم بحال وإنما كلمه في أمر البيع والرهن إلى أن تمكن منه. ( فائدة ) : وقع في الصحيح إن الذي خاطب كعبا محمد بن مسلمة وأكثر أهل المغازي على أنه أبو نائلة، ويمكن الجمع بينهما بأن يكون كل منهما كلمه في ذلك وإن تصبروا على ما ابتليتم به وتتقوا مخالفة أمر الله تعالى فإن ذلك الصبر والتقوى من عزم الأمور مصدر بمعنى المفعول أي من معزومات الأمور التي يجب عليها العزم أو مما عزم الله عليه أي أمر به وبالغ فيه، والعزم في الأصل ثبات الرأي على الشيء نحو إمضائه، وقال عطاء يعني من حقيقة الإيمان، قلت : والمراد بالصبر عدم الجزع والانقياد عند ابتلاء الله العبد وترك الاعتراض عليه وذا لا ينافي الانتقام من الكفار إذا آذوا المسلمين كما دل عليه قصة ابن الأشرف لعنه الله والله أعلم.

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير