فنبّه أن السكون إلى الدنيا والتمتُّع بها غُرور، وأن الكيّس من دان
نفسه وعمل لما بعد الموت، واقتصر على زاد يتبلَّغ به.
قوله تعالى: (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦)
قيل: سبب نزولها أن كعب بن الأشرف كان يهجو النبي - ﷺ -
ويحرِّضُ المشركين عليه حتى قتله محمد بن مسلمة.
وقيل: بل هو أن سمع أبو بكر يهوديًّا يقول: ترى إله محمدٍ فقيراً
حتى يستقرض منّا، فلطمه أبو بكر، وجُملة الأمر أنّ جميع
ما يُبتلى به الإِنسان ويُتعبَّد به ثلاثة أشياء: إما متعلّق بالمال.
وإمّا بالنفس، وإمّا بمجاهدة العدو، وأعظم المجاهدة الصبر
على الأذى المسموع من الأعداء، إذ هو سبب الشرور، ولهذا
قال الشاعر:
... وإن الحرب أولها كلام
فبيّن تعالى أنكم إن صبرتم - واتقيتم في هذه الأمور التي تُبلون
بها، فإن ذلك من عزم الأمور.
إن قيل: ما معنى: من عزم الأمور، وما الأمور التي جعل تعالى هذه الأشياء من عزمها؟
قيل: العزم: ثبات الشيء على الشيء، وإمضاؤه، والحزم
يقاربه، إلا أن العزم بالإِمضاء أشبه، إذ هو من العزم،
أي القطع، والحزم بجمع الرأي أشبه، إذ هو من حزمت الحطب
والقصب، أي جمعتُ، ولذلك قيل،: أحزم لو أعزم.
وأما الأمور التي عناها فيجوز أنها الثواب الذي جعل للصابرين
والصالحين والمتقين، وما أشبه ذلك، ويجوز أن تكون الأمور
إشارة إلى ما تقدم، ونبَّه أن بالصبر والتقوى يُتوصَّل إليه.
تفسير الراغب الأصفهاني
أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى
هند بنت محمد سردار