[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٨٥ الى ١٨٦]
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ (١٨٥) لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦)تفسير المفردات
توفون أجوركم: أي تعطونها وافية كاملة غير منقوصة، زحزح عن النار: نحّى عنها، فاز سعد ونجا، والمتاع: ما يتمتّع وينتفع به مما يباع ويشترى، والغرور: إصابة الغرّة والغفلة ممن تخدعه وتغشّه، لتبلونّ أي لتختبرن أي لتعاملنّ معاملة المختبرين لتظهر حالكم على حقيقتها، فى أموالكم أي بالبذل فى سبيل الله وبالجوائح والآفات، وفى أنفسكم أي بالقتل والأسر فى سبيل الله، وبالأمراض وفقد الأقارب، الذين أوتوا الكتاب: هم اليهود والنصارى، والذين أشركوا هم كفار العرب، أذى كثيرا كالطعن فى الدين والافتراء على الله ورسوله، والصبر: تلقى المكروه بالاحتمال وكظم النفس عليه مع دفعه برويّة ومقاومة ما يحدث من الجزع، والتقوى الابتعاد عن المعاصي، من عزم الأمور أي من صواب التدبير، وما ينبغى لكل عاقل أن يعزم عليه ويأخذ نفسه به، من قولك عزمت عليك أن تفعل كذا أي ألزمتك إياه على وجه لا يجوز الترخص فيه.
المعنى الجملي
بعد أن سلّى نبيه فيما سلف عن تكذيب قومه له بأن كثيرا من الرسل قبلك قد كذّبوا كما كذّبت، ولاقوا من أقوامهم من الشدائد مثل ما لاقيت، بل أشد صفحة رقم 151
مما لاقيت، فقد قتلوا كثيرا منهم كيحي وزكريا عليهما السلام- زاده هنا تسلية وتعزية أخرى، فأبان أن كل ما تراه من عنادهم فهو منته إلى غاية، وكل آت قريب فلا تضجر ولا تحزن على ما ترى منهم، وأنهم سيجازون على أعمالهم فى دار الجزاء كما تجازى، وحسبك ما تصيب من حسن الجزاء، وحسبهم ما أصيبوا به وما يصابون به من الجزاء فى الدنيا، وسيوفون الجزاء كاملا يوم القيامة.
الإيضاح
(كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ) أي كل نفس تذوق طعم مفارقة البدن وتحس به، وفى هذا إيماء إلى أن النفس لا تموت بموت البدن، لأن الذي يذوق هو الموجود، والميت لا يذوق. فالذوق شعور لا يجس به إلا الحي.
(وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ) أي وإنما تعطون جزاء أعمالكم كاملا وافيا يوم القيامة، وفى ذكر التوفية إشارة إلى أن بعض الأجور من خيرا وشر قد تصل إليهم فى الدنيا جزاء أعمالهم، ويؤيده ما أخرجه الترمذي والطبراني مرفوعا، «القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران».
(فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ) أي فمن خلص من العذاب ووصل إلى الثواب فقد فاز بالمقصد الأسمى والغاية التي لا مطلب بعدها،
وقد روى عن النبي ﷺ أنه قال: «من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيّته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليؤت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه».
والخلاصة- إن هناك جنة ونارا، وإن من الناس من يلقى فى هذه ومنهم من يلقى فى تلك، وإن هول النار عظيم، وعبر عن النجاة عنها بالزحزحة كأن كل شخص كان مشرفا على السقوط فيها، لأن أعمالهم سائقة لهم إلى النار، لأنها أعمال حيوانية تسوق إليها ولا يدخل الجنة أحد إلا إذا زحزح، فالزحزحة عنها فوز عظيم، وأولئك
المزحزحون هم الذين غلبت صفاتهم الروحية على الصفات الحيوانية فأخلصوا فى إيمانهم، وجاهدوا فى الله حق جهاده، ولم يبق فى نفوسهم شائبة من إشراك غير الله معه فى عمل من أعمالهم.
(وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ) أي وما حياتنا القربى التي نحن فيها ونتمع بلذاتها الحسية من مأكل ومشرب، أو المعنوية كالجاه والمنصب والسيادة إلا متاع الغرور لأن صاحبها دائما مغرور مخدوع لها، تشغله كل حين بجلب لذاتها ودفع آلامها، فهو يتعب لما لا يستحق التعب، ويشقى لتوهم السعادة.
والخلاصة- إن الدنيا ليست إلا متاعا من شأنه أن يغرّ الإنسان ويشغله عن تكميل نفسه بالمعارف والأخلاق التي ترقى بروحه إلى سعادة الآخرة.
فينبغى له أن يحذر من الإسراف فى الاشتغال بمتاعها عن نفسه وإنفاق الوقت فيما لا يفيد، إذ ليس للذاتها غاية تنتهى إليها فلا يبلغ حاجة منها إلا طلب أخرى.
| فما قضى أحد منها لبانته | ولا انتهى أرب منها إلا إلى أرب |
(لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ) بعد أن سلى سبحانه نبيه ﷺ بما سبق آنفا زاد فى تسليته بهذه الآية، وأبان له أنه كما لقى هو ومن معه من الكفار أذى يوم أحد فسيلقون منهم أذى كثيرا بقدر ما يستطيعون من الإيذاء فى النفس أو فى المال، والمقصد من هذا الإخبار أن يوطنوا أنفسهم على الصبر وترك الجزع حتى لا يشق عليهم البلاء عند نزوله بهم.
والابتلاء فى الأموال يكون بالبذل فى جميع وجوه البر التي ترفع شأن الامة الإسلامية وتدفع عنها أعداءها وتردّ عنها المكاره وتدفع عنها غوائل الأمراض والأوبئة صفحة رقم 153
والابتلاء فى الأنفس يكون ببذلها فى الجهاد فى سبيل الله وبموت من تحب من الأهل والأصدقاء أو بالمدافعة عن الحق، وفائدة الابتلاء تمييز الخبيث من الطيب، وفائدة الإخبار به أن نعرف السنن الإلهية ونهيىء أنفسنا لمقاومتها، فإن من تقع به المصيبة فجأة على غير انتظار يعظم عليه الأمر ويحيط به الغمّ حتى ليقتله فى بعض الأحايين، لكنه إذا استعد لها اضطلع بها وقوى على حملها.
وكذلك من تحدث له النعمة على غير توقع لها، فإنها تحدث له دهشة وتهيجا فى الأعصاب، وربما أصيب بشلل أو اضطراب عقلى أو موت فجائى، والحوادث المشاهدة فى هذا الباب كثيرة.
(وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً) هذا سبيل آخر من الابتلاء فى الأنفس، وخصه بالذكر لأهميته أي إنكم ستسمعون إيذاء كثيرا من اليهود والنصارى والمشركين، ومن ذلك حديث الإفك (قذف أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها) وتألب اليهود عليهم ونقض عهودهم ومحاولتهم قتل النبي ﷺ حتى أجلاهم عن المدينة فأمن شرهم، واتفاق اليهود مع أحزاب المشركين وزحفهم على المدينة لاستئصال المسلمين، فقد حاصروهم وأوقعوا بهم شديد البلاء وضيّقوا عليهم وفى ذلك يقول الله تعالى: «إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا، هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً».
(وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) أي وإن تصبروا على ما سيحل بكم من البلاء فى أموالكم وأنفسكم، وعلى ما تسمعون من أهل الكتاب والمشركين من الأذى وتتقوا ما يجب اتقاؤه، فإن ذلك الصبر والتقوى من معزومات الأمور أي الأمور التي ينبغى أن يعزمها كل أحد، لما فيه من كمال المزية والشرف.
روى الزهري أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعرا وكان يهجو النبي ﷺ ويحرض عليه كفار قريش فى شعره وكان النبي ﷺ قدم المدينة
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي