ﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩ

الذين صفة لأولي الألباب، فإن مقتضى العقل الاتصاف بالذكر والفكر والتسبيح والإيمان والاستغفار والدعاء والتضرع إليه، ومن لم يتصف بها فهو كالأنعام بل أضل منها فإن الأنعام يسبحون الله نوع تسبيح يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم قال البغوي : قال علي رضي الله عنه وابن عباس رضي الله عنهما والنخعي وقتادة هذا في الصلاة يصلي قائما فإن لم يستطع فقاعدا فإن لم يستطيع فعلى جنب ونظيره هذه الآية في سورة النساء فإذا قضيتم الصلوات فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم ١ وحديث عمران بن حصين رضي الله عنه قال : كانت بي بواسير فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة المريض فقال :" صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب " ٢ أخرجه البخاري وأصحاب السنن الأربعة، زاد النسائي فإن لم يستطع فمستلقيا " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها وعن علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" يصلي المريض قائما إن استطاع فإن لم يستطع صلى قاعدا فإن لم يستطع أن يسجد أومأ وجعل سجدوه أخفض من ركوعه، فإن لم يستطع يصلي على جنبه الأيمن مستقبل القبلة، فإن لم يستطع أن يصلي على جنبه الأيمن صلى مستلقيا رجلاه مما يلي القبلة " رواه الدارقطني وفي إسناده حسين بن زيد ضعفه ابن المديني والحسن بن الحسن المغربي وهو متروك. ومن هاهنا قال الشافعي : إن المريض إذا عجز عن القيام صلى قاعدا وإذا عجز عن القعود يضطجع على جنبه الأيمن مستقبل القبلة فإن لم يستطيع استلقى على ظهره ويستقبل رجليه الكعبة حتى يكون إيماؤه في الركوع والسجود إلى القبلة وبه قال مالك وأحمد، غير أنه لو صلى مستلقيا وهو قادر على الصلاة على جنبه الأيمن جاز عندهما حلافا للشافعي، وقال أبو حنيفة إذا عجز عن القعود صلى مستلقيا ورجلاه إلى الكعبة فإن لم يستطع أن يصلي مستلقيا صلى على جنبه، قال أبو حنيفة : إن هذه الآية والتي في سورة النساء ليستا في صلاة المريض بل المراد بها عامة المفسرين المداومة على الذكر في عموم الأحوال لأن الإنسان قلما يخلوا عن هذه الحالات الثلاث، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله " رواه ابن شيبة والطبراني من حديث معاذ، ولو سلمنا أن الآية في صلاة المريض فهي لا تنفي صلاة المستلقي ولا تدل على الترتيب الذي ذكره الشافعي، وكذا ما في الصحيحين من حديث عمران حصين، قال ابن همام : كان مرض عمران بن حصين البواسير وهو يمنع الاستلقاء ولذا لم يذكر إلا أن ما رواه النسائي وزاد فيه صلاة المستلقي لو صح لكان حجة للشافعي، وحديث علي ضعيف لا يصلح للاحتجاج. ثم وجه قول أبي حنيفة في تقديم الاستلقاء على الصلاة على جنبه إن المقصود الأهم في الصلاة الركوع والسجود، ولذا قال أبو حنيفة زمن لم يستطع الركوع والسجود ويقدر على القيام الأفضل أن يصلي قاعدا بالإيماء فإن إيماءه أقرب إلى السجود خلافا للجمهور، وإيماء المستلقي على ظهره إذا كان رجلاه إلى الكعبة يقع إلى الكعبة بخلاف إيماء من يصلي على جنبه مستقبلا إلى القبلة يقع إلى جهة رجليه فكان الاستلقاء أولى. وقال الشافعي ومالك وأحمد القيام كالركوع والسجود في كونه مقصودا فلا يجوز الصلاة قاعدا لمن يقدر على القيام وإن لم يقدر على الركوع والسجود بل عليه أن يصلي قائما بالإيماء ولا شك أن مدة القيام في الصلاة أكثر من مدة الركوع والسجود فمن صلى مستلقيا يكون غالب حاله التوجه إلى السماء لا إلى جهة الكعبة، ومن صلى على جنبه يكون غالب حاله التوجه إلى الكعبة وذلك هو المأمور به في قوله تعالى : فولّ وجهك شطر المسجد الحرام ٣ والله أعلم.
ويتفكرون في خلق السماوات والأرض وما أبدع فيهما وما أودع فيهما ليستدل بها على وجود صانع قادر عليم حكيم واحد لا شريك له، عن علي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا عبادة كالتفكر " أخرجه البيهقي في شعب الإيمان وابن حبان في الضعفاء وضعفاه، وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" بينما رجل مستلق على فراشه إذ رفع رأسه فنظر إلى السماء والنجوم فقال : أشهد أن لك ربا وخالقا، اللهم اغفر لي فنظر الله إليه فغفر له " رواه أبو الشيخ وابن حبان والثعلبي. والفكر عبارة عن ترتيب أمور معلومة لتحصيل مجهول في القاموس هو أعمال النظر في الشيء، قال الجوهري في الصحاح الفكرة قوة مطرقة للعلم إلى المعلوم والتفكر جولان تلك القوة بحسب نظر العقل وذلك للإنسان دون الحيوان ولا يقال إلا فيما يمكن أن يحصل له صورة في القلب، ولهذا روي " تفكروا في آلاء الله ولا تتفكروا في الله " لكون الله تعالى منزها بأن يوصف بصورة، وقال بعض العلماء : الفكر عن الفرك لكن يستعمل الفكر في المعاني وهو فرك الأمور وبحثها طلبا للوصول إلى حقيقتها انتهى كلام الجوهري. قلت : ورد في الحديث " تفكروا في كل شيء ولا تفكروا في ذات الله تعالى فإن بين السماء السابعة إلى كرسيه سبعة آلاف نور وهو فوق ذلك " رواه أبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس وعنه بلفظ في " تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق فإنكم لا تقدرون قدره " وعن أبي ذر نحوه بلفظ " تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله فتهلكوا " وروى أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس " تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله " وروى أبو الشيخ والطبراني في الأوسط وابن عدي والبيهقي بسند ضعيف بلفظ " تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله " ٤ فهذه الأحاديث تدل على المنع عن التفكير في مرتبة الذات واقتصاره في مراتب الأفعال والصفات والأسماء، وبهذا يظهرا امتناع تعلق العلم الحضوري بحضرة الذات بلا شائبة الأسماء والصفات، وقال المجدد رضي الله عنه : العلم الحضوري أيضا ساقط من تلك المرتبة العليا لأن جولانه إلى نفس العالم وما هو عينه يعني إلى مرتبة العينية والاتحاد وذلك كفر الحقيقة، والله سبحانه أقرب إلينا من أنفسنا فهو سبحانه وراء الوراء ثم وراء الوراء ثم وراء الوراء في جانب القرب لا في جانب البعد فلا سبيل للعلم الحضوري أيضا إلى تلك المرتبة الأسنى، فدوام الحضور والعلم اللدني البسيط الحاصل للصوفي المتعلق بحضرة الذات وراء العلمين لا يدري ما هو، ولا يجوز إطلاق التفكير عليه إلا مجازا كما أطلق عليه بعض الصوفية، وقد ورد في الشرع التعبير عنه بالذكر كان رسول الله صبى الله عليه وسلم يذكر الله في كل أحيانه إنما هو ذلك لا الذكر اللساني فإنه لا يمكن استدامته، ولما كان دوام الذكر أهم وأسنى، وإنما الفكر طريقا إليها وصف الله سبحانه أولي الألباب أولا بدوام الذكر وبعد ذلك بالتفكر الموصل إلى علم هو كالظل له حيث قال : الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم يعني يديمون الذكر في جميع الأحوال ويتفكرون في خلق السماوات والأرض وأيضا في تقديم الذكر على الفكر تنبيه بأن العقل غير مستقل بإفادة الأحكام الحقة ما لم يستضيء بنور الذكر والهداية من الله سبحانه ربنا ما خلقت هذا باطلا على إرادة القول أي يتفكرون قائلين ذلك، والباطل ضد الحق كذا في القاموس والحق قد يطلق على موجود متأصل الوجود لا يحتاج في تحققه ووجود ولا في شيء من الأشياء إلى غيره وهو الله سبحانه، وقد يطلق على موجود في الخارج بلا نحت الوهم والخيال وإن كان مقتبسا تحققه من الوجود الحق، وقد يطلق على موجود يشتمل وجوده على حكم ومصالح لا يكون عبثا ضائعا من غير حكمة ذاهبا بلا فائدة يترتب عليه، والباطل ضد الحق على المعاني كلها. فباعتبار المعنى الأول قال رسول الله صلى الله عيه وسلم :" ألا أحسن القول قول لبيد : كل شيء ما خلا الله باطلا " ٥ وجاز اعتبار المعنى الثاني في البيت يعني كل معبود ما خلا الله باطل لا حقيقة له منحوت للوهم والخيال وباعتبار المعنى الثالث أطلق الباطل على الشيطان قال الله تعالى : لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ٦ والباطل هاهنا إن كان بالمعنى الثاني فمعنى الآية ما قال أهل الحق أساسا للاستدلال على الصانع ( خلافا للسوفسطائية ) إن حقائق الأشياء ثابتة والعلم بها متحقق، وإن كان بالمعنى الثالث فالمعنى ما خلقت الخلق عبثا بل لحكمة عظيمة دليلا على معرفتك باعثا على شكرك وطاعتك، وهذا إشارة إلى السماوات والأرض وتذكيره بإرادة المتفكر فيه أو لأنهما في معنى المخلوق، أو إلى الخلق على أنه أريد به المخلوق من السماوات والأرض أو أريد به التخليق، وجاز أن يراد به التفكر في خلق كل جزء من أجزائها فهذا إشارة إلى هذا الجزء، وباطلا منصوب على الحالية من هذا، وجاز أن يكون باطلا بمعنى هازلا حالا من فاعل خلقت فعلى هذا قوله تعالى : سبحانك مؤكد للحال يعني أنه تعالى منزه عن الهزل لكونه رذيلة وعلى التأويل الأول اعتراض فقنا عذاب النار للإخلال بالنظر فيه والقيام بما يقتضيه، والفاء تدل على أن خلق السماوات والأرض للاستدلال والشكر والطاعة يقتضي ثواب المطيع وعذاب العاصي غالبا والعلم بنفي البطلان والبعث عنهما يستلزم الرجاء والخوف، وهما يقتضيان طلب الثواب والاستعاذة من العذاب، وقدّم الاستعاذة لأن دفع الضرر أهم من جلب النفع، وقيل دخلت الفاء لمعنى الجزاء تقديره إذ نزهناك فقنا عذاب النار.

١ سورة النساء، الآية: ١٠٣.
٢ أخرجه البخاري في كتاب: تقصير الصلاة، باب: إذا لم يطق قاعدا صلى على جنب (١١١٧) وأخرجه أبو داود في كتاب: الصلاة، باب: في صلاة القاعد (٩٥١) وأخرجه الترمذي في كتاب: الصلاة، باب: ما جاء أن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم (٣٦٩)..
٣ سورة البقرة، الآية: ١٤٤..
٤ هذه الأحاديث برواياتها المختلفة ضعيفة. انظر فيض القدير (٣٣٤٨) و (٣٣٤٩)..
٥ في رواية الصحيحين "أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد" أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: ما يجوز من الشعر والرجز والحداء وما يكره منه (٦١٤٧) وأخرجه مسلم في أوائل كتاب: الشعر (٢٢٥٦)..
٦ سورة فصلت، الآية: ٤٢..

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير