ولذلك ذكر لأولي الألباب أوصافا أخرى لهم : أولها نوه إليه سبحانه بقوله الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم .
ذكر الله تعالى استحضار عظمته والإحساس بجلاله، واستشعار النفس بنعمه، وقد يدخل هذا في معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم :" اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك"١ فذكر الله يتضمن كل معاني العبودية والإحساس بالألوهية و النعم التي أسبغها على خلقه ظاهرة وباطنة، و ذكر الله لب كل عبادة، و غاية كل نسك، لذلك قال الله تعالى : إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر و لذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون٤٥ [ العنكبوت ] وقد وصف الله تعالى أولي الألباب الذاكرين بأنهم يذكرون الله تعالى في كل أحوالهم، فهم يذكرونه قائمين، وقاعدين، وهم على جنوبهم، فقوله تعالى : قياما وقعودا وعلى جنوبهم إشارة إلى أن الذكر يكون في عامة أحوال الإنسان في الحياة، وظن بعض المفسدين أن المراد بالذكر الصلاة لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمران بن الحصين :" صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب"٢ والحق ان الذكر أعم من الصلاة، وأن الصلاة الحقيقية التي تثمر ثمراتها ضرب من ضروبه، وكل العبادات من مسالكه وقوله تعالى :{ قياما وقعودا مصدران وضعا موضع الوصف وموقعهما في الإعراب أنهما حالان.
وذكر الله تعالى على هذا النحو من أكمل العبادات، ولو ذكر المؤمن ربه في عامة أحواله لساد المجتمع الإنساني كله الوئام، وما كثر الخصام، وما امتشق الناس الحسام، بل ما تنازع اثنان، وفوق ذلك من يذكر الله يعلو عن آلام الحياة واضطرابها وما ينزعج له الناس ويتحيرون فيه، ولذا قال تعالى : الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم لذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب ٢٨ [ الرعد ].
ويتفكرون في خلق السموات والأرض هذا هو الوصف الثاني بعد أوصاف أولي الألباب الذين يدركون آيات الله الدالة على جلاله وعظمته في خلقه، والتفكر : ترداد الفكرة في النفس، لتصل إلى أقصى م تؤدي إليه، وقد جاء في مفردات الأصفهاني :"الفكرة قوة مطرقة للعلم، والتفكر جولان تلك القوة بحسب نظر العقل، وذلك للإنسان دون الحيوان، ولا يقال إلا فيما يمكن أن يحصل له صورة في القلب، ولهذا روي :" تفكروا في آلاء الله، ولا تفكروا في الله، إذ كان الله منزها عن أن يوصف بصورة.." ٣قال بعض الأدباء :( الفكر مقلوب عن الفرك، لكن يستعمل الفكر في المعاني وهو فرك الأمور وبحثها طلبا للوصول إلى حقيقتها ).
والتفكر في السموات والأرض له ثلاث درجات بعضها أعلى من بعض، أدناها ان ننظر إلى السماء وما فيها من نجوم وكواكب وشمس وقمر وأبراج، وما فيها من نظام بديع محكم، وهذه هي النظرة العامة التي تكون لذوي الألباب وغيرهم ؛ لأن هذه النظرة أساس الحس وإشراق المحسوس.
والمرتبة الثانية التفكر في خلقها وأسرار وجودها ونواميسها وقوانينها، وهذا ما يفكر فيه علماء الكونيات الذين يعرفون ما اشتمل عليه الكون من قوى وما او دعها الخالق من إجرام وقوانين لسيرها.
المرتبة الثالثة وهي أعلاها، وهي النظرة التي تتجه إلى الخالق من وراء المخلوق، فيتدبر الكون وما فيه ليدرك عظمة المبدع، فيتعرف من جمال الصنعة جلال الصانع، وهذا النوع هو المذكور في هذه الآية وهو أعلى مراتب العبادة، وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال :"لا عبادة كالتفكر"٤ وقد كان بعض الصحابة يقول :"إن ضياء الإيمان التفكر".
وإن هذا النوع الأخير من التفكر يجعل القلب يخضع واللسان يخشع فينطق مستشعرا عظمة الله قائلا : ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار .
تلك الضراعة التي بدت على الألسنة هي أولى ثمرات التفكر، لقد وصلوا بتفكيرهم إلى إدراك ربهم فقالوا( ربنا ) ونادوه سبحانه بذلك النداء الخاضع الضارع الشاكر لنعمائه، وقد وصلوا بتفكيرهم وتدبرهم إلى أن هذا الكون لا يمكن ان يخلق باطلا، أي لا يكون لغير غاية، ولا لغير حكمة، فمعنى البطلان هنا العبث وعدم الغاية وغنهم ليعلمون ان ذلك مستحيل على الله تعالى، ولذا أردفوا هذا بقولهم( سبحانك )، أي تنزهت ذاتك وتقدست، وبذلك ارتفعوا إلى مقام التقديس وهو كمال العبودية والألوهية، ثم اعترتهم وقد وصلوا إلى هذا النوع من العلم خشية العلماء، مصدقا لقوله تعالى : إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور٢٨ [ فاطر ]، ولذلك غلب عليهم الخوف من عذاب الله تعالى فقالوا مرتبين على تفكرهم ما أدى إليه : فقنا عذاب النار فهذه ضراعة إلى الله تعالى ان يقيهم عذاب النار، والوقاية من عذاب النار تكون بأمرين : أولهما- ان يوفقهم لتجنب ما لا يرضيه، والثاني- أن يغفر لهم ما أفرطوا في جنبه سبحانه وتعالى.
وقد كان ترتيب الخوف على التفكر له موضعه لأن نهاية التفكر هو الخوف ؛ إذ ينتهي إلى أعلى درجات الشعور بالمهابة لله تعالى، وهو يجعل المؤمن يستصغر حسناته، ويستكثر سيئاته، وغن الصوفية الحق يبالغون في التفكر، حتى إنهم يفضلونه على صلوات النفل فهو من أفضل مقامات العبودية.
٢ رواه ا لبخاري: الجمعة ـ إذا لم يطق قاعدا(١٠٥٠)، والترمذي: الصلاة: ما جاء في صلة القاعد(٣٣٩)، وأبو داود: الصلاةـ صلاة القاعد(٨١٥)، وابن ماجة: إقامة الصلاة ألسنة فيها(١٢١٣)..
٣ جاء في الفتح الكبير(٥٤٣٠) ج٢، ص٣١٠: تفكروا في كل شيء ولا تفكروا في ذلت الله تعالى فإن بين السماء السابعة إلى كرسيه سبعة آلاف نور وهو فوق ذلك(أبو الشيخ في العظمة) عن ابن عباس وذكره الحافظ ابن حجر في الحجر(باب ما يذكر في الذات والنعوت وأسامي الله): جاء في كتاب السنة لعبد الله بن أحمدـ من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس:" تفكروا في كل شيء ولا تفكروا في ذات الله؛ فإن بين السموات والأرض سبعة آلاف نور وهو فوق ذلك موقوف وسنده جيد..
٤ رواه القضاعي في مسند الشهاب ج٢، ص٣٩(٨٣٨)..
زهرة التفاسير
أبو زهرة