ﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩ

قوله تعالى: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)
الذكر: ذكر باللسان، وذكر بالقلب.
وذكر القلب ذكران: ذكر عن نسيان، وهو إعادة ما انحذف عن الحفظ، وذلك هو التذكر في الحقيقة، وذكر هو إدامة مراعاة ما ثبت في الحفظ.
وقوله: (وَعَلَى جُنُوبِهِمْ) عبارة عن حال الاضطجاع، وعلى
ذلك قوله: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا)
فمن حمل الآية على الصلاة، وقال: معناه لا يخلون بها
في شيء من أحوالهم قائمين إذا قدروا، قاعدين إذا عجزوا،

صفحة رقم 1042

وعلى جنوبهم إذا مرضوا.
وقد رُوي في ذلك أن النبي - ﷺ - قال لسهل بن حنيف: "صلّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب ".
ثم تلا الآية، ومنهم من جعله أعم من

صفحة رقم 1043

ذلك، وقال: لا ينفكون من ذكر الله في جميع أحوالهم.
كقولك: (رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ).
ومنهم من جعله أعمّ من ذلك أيضا، وقال: معناه لا يتحرُّون بجميع
أفعالهم إلا وجهه، وبيان ذلك أن مباحات أولياء الله كلها
قُرَبٌ يُستحق بها الثواب، وذاك أنهم لا يأكلون ولا ينامون إلا
وقت الضرورة، ومقدار ما يستعينون به على العبادة، وما لا تتم
عبادتهم إلا به فذاك واجب كوجوبها.
وذلك قوله (وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) إشارة إلى ما قال - ﷺ -:

صفحة رقم 1044

"تفكّروا في آلاء الله، ولا تفكروا في الله ".
وقوله: (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا)
أي يقولون وليس يعني بذلك القول من دون العلم.
فإن ذلك إقامة شهادة، ومن شهد بشيء وهو على ما
شهد به، لكن لا يعلم كونه كذلك فشهادته مردودة بدلالة
قوله: (إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ).
ومن عرف حقيقة ذلك وأقام هذه الشهادة فكأنهم شهدوا الله وهو يخلق

صفحة رقم 1045

السموات، ولهذا قال تعالى في ذم الكفار حيث ثكلوا هذه
الفضيلة، فقال: (مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ) وفي قوله: (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا) تنبيه أنه قصد تعالى بخلق هذه الأشياء قصداً صحيحا.
وذلك ما قاله الحكماء أن القصد بخلق السموات والأرض
إنّما هو الإِنسان، وإنّما خلق النبات والحيوانات قواماً له.
قال: (خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا).
والقصد بخلق الإِنسان أن يستخلفه في الأرض، فيقوم بحق الخلافة.
ويبلغُ بها إلى أعظم السعادة في جواره.
وعلى ذلك قال تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا)، فلما تحقق المتفكرون ما لأجله خُلقت السموات والأرض، وعرفوا مآلهم سبَّحوه، واستعاذوا به من النار.

صفحة رقم 1046

تفسير الراغب الأصفهاني

عرض الكتاب
المؤلف

أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى

تحقيق

هند بنت محمد سردار

الناشر كلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى
سنة النشر 1422
عدد الأجزاء 2
التصنيف التفسير
اللغة العربية