ﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩ

الَّذِينَ يَذْكُرُونَ الله الموصولُ إما موصولٌ بأولي الألباب مجرورٌ على أنه نعتٌ كاشفٌ له بما في حيز الصلةِ وإما مفصولٌ عنه مرفوعٌ أو منصوبٌ على المدح أو مرفوعٌ على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ وقيل هو مرفوعٌ على الابتداء والخبرُ هو القولُ المقدرُ قبل قولِه تعالى رَبَّنَا وفيه من تفكيك النظم الجليل مالا يخفى وأيا ما ما كان فقد أشير بما في حيز صلته أن

صفحة رقم 128

المرادَ بهم الذين لا يغفُلون عنه تعالى في عامة أوقاتِهم لاطمئنان قلوبِهم بذكره واستغراف سرائرِهم في مراقبته لما أيقنوا بأنَّ كلَّ ما سواه فائضٌ منه وعائدٌ إليه فلا يشاهدون حالاً من الأحوال في أنفسهم وإليه أُشير بقولِه عزَّ وجلَّ
قياما وَقُعُوداً وعلى جُنُوبُهُمْ ولا في الآفاق وإليه أشير بما بعده إلا وهم يعاينون في ذلك شأنا من شئونه تعالى فالمرادُ به ذكرُه تعالى مطلقاً سواءٌ كان ذلك من حيث الذاتُ أو من حيث الصفاتُ والأفعالُ وسواءٌ قارنه الذكرُ اللساني أولا وأما ما يُحكى عن ابن عمرَ وعروةَ بنِ الزبير وجماعة رضى الله عنهم من أنهم خرجوا يوم العيدِ إلى المصلى فجعلوا يذكرون الله تعالى فقال بعضُهم أما قال الله تعالى الذين يَذْكُرُونَ الله قياما وَقُعُوداً فقاموا يذكرون الله على أقدامهم فليس مرادُهم به تفسيرَ الآيةِ وتحقيقَ مِصداقِها على التعيين وإنما أرادوا به التبركَ بنوع موافقةٍ لها في ضمن الإيتان بفرد من أفرادِ مدلولِها وأما حملُ الذكرِ على الصلاة في هذه الأحوالِ حسب الاستطاعةِ كما قال عليه السلام لعِمرانَ بنِ الحصين صلِّ قائماً فإن لم تستطعْ فعلى جنب تومئ إيماءً فمما لا يساعده سباق لنظم الجليل ولا سياقة ولا قيام والقعودُ جمعُ قائمٍ وقاعدٍ كنيام ورقدو جمع نائم وانتصابُهما على الحالية من ضمير يذكرُون أي يذكرونه قائمين وقاعدين وقولُه تعالى وعلى جُنُوبِهِمْ متعلقٌ بمحذوف معطوفٍ على الحالين أي وكائنين على جنوبهم أي مضطجعين والمرادُ تعميمُ الذكرِ للأوقات كما مر وتخصيصُ الأحوالِ المذكورةِ بالذكر ليس لتخصيص الذكرِ بها بل لأنها الأحوالُ المعهودةُ التي لا يخلو عنها الإنسانُ غالباً
وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السماوات عطفٌ على يَذَّكَّرُونَ منتظمٌ معه في حيز الصلةِ فلا محلَّ له من الإعراب وقيل محلُّه النصبُ على أنَّهُ معطوف على الأحوال السابقةِ وليس بظاهر وهو بيانٌ لتفكرهم في أفعاله سبحانه إثرَ بيانِ تفكرِهم في ذاته تعالى على الإطلاق وإشارة إلى نتيجته التي يؤدّي إليها من معرفة أحوالِ المعادِ حسبما نطقتْ به ألسنةُ الرسلِ وآياتُ الكتبِ فكما أنها آياتٌ تشريعيةٌ هاديةٌ للخلق إلى معرفته تعالى ووجوبِ طاعتِه كذلك المخلوقاتُ آياتٌ تكوينيةٌ مرشدةٌ لهم إلى ذلك فالأُولى منبِّهاتٌ لهم على الثانية ودواعٍ إلى الاستشهاد بها كهذه الآيةِ الكريمةِ ونحوِها مما ورد في مواضعَ غيرِ محصورةٍ من التنزيل والثانيةُ مؤيِّداتٌ للأولى وشواهدُ دالةٌ على صحة مضمونِها وحقّيةِ مكنونِها فإن من تأمل في تضاعيف خلقِ العالَمِ على هذا النمطِ البديعِ قضى باتصاف خالقِه تعالى بجميع ما نطقت به الرسلُ والكتبُ من الوجوب الذاتيِّ والوَحدةِ الذاتيةِ والمُلك القاهِرِ والقُدرةِ التامةِ والعلمِ الشاملِ والحِكمةِ البالغةِ وغيرِ ذلك من صفات الكمالِ وحكمَ بأن مَن قدَر على إنشائه بلا مثال يِحتذيه أو قانونٍ ينتحيه فهو على إعادته بالبعث أقدرُ وحكمَ بأن ذلك ليس إلا لحكمة باهرةٍ هي جزاءُ المكلَّفين بحسب استحقاقِهم المنوطِ بأعمالهم أي علومِهم واعتقاداتِهم التابعةِ لأنظارهم فيما نُصب لهم من الحُجج والدلائلِ والأَماراتِ والمَخايلِ وسائرِ أعمالِهم المتفرّعةِ على ذلك فإنَّ العملَ غيرُ مختصَ بعمل الجوارحِ بل متناولٌ للعمل القلبى بل هو أشرفُ أفراده لما أن لكلٍ من القلبِ والقالَب عملا خاصا به ومن قضية كونِ الأولِ أشرفَ من الثَّانِي كونُ عملِه أيضاً أشرفَ من عمله كيف ولا ولا عملَ بدون معرفتِه تعالى التي هي أولُ الواجباتِ على العباد والغايةُ

صفحة رقم 129

القُصوى من الخلق على ما نطق به عز وجل وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ أي ليعرفونِ كما أَعرَب عنه قولُه عليه الصَّلاة والسلام يقول الله تعالى كُنتُ كنزاً مخفياً فأحببتُ أنْ أُعْرَفَ فخلقتُ الخلقَ لأُعرف وإنما طريقُها النظرُ والتفكرُ فيما ذكر من شئونه تعالى وقَد رُوِيَ عنْهُ عليهِ السلام أنَّهُ قالَ لا تُفضِّلوني على يونسَ بنِ مَتَّى فإنَّهُ كانَ يُرفع لهُ كلَّ يومٍ مثلُ عملِ أهلِ الأرضِ قالُوا وإنَّما كانَ ذلكَ التفكّرَ في أمر الله تعالى ولذلك قال عليه السلام لاعبادة مثلُ التفكر وقد عرفت أنه مستتبِعٌ لتحقيق ما جاءت به الشريعةُ الحقةُ وإلا لما فسَّر النبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلم قوله تعالى وَهُوَ الذى خلق السماوات والأرض فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الماء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً بقوله عليه الصلاة والسلام أيُكم أحسنُ عقلاً وأورَعُ عن محارم الله تعالى فإن التورعَ عن محارمه سبحانه موقوفٌ على معرفة الحلال والحرام المنوط بالكتاب والسنة فحينئذ تتصادقُ الآياتُ التكوينيةُ وتتوافق الأدلةُ السمعيةُ والعقليةُ وهو السرُّ في نظم ما حُكي عن المتفكرين من الأمور المستدعِيةِ للإيمان بالشريعة في سلك نتيجةِ تفكُّرِهم كما ستقف عليه وإظهارُ خلقِ السمواتِ والأرضِ مع كفاية الإضمارِ لإبراز كمالِ العنايةِ ببيان حالِهم والإيذانِ بكون تفكرِهم على وجه التحقيقِ والتفصيلِ وعدمِ التعرضِ لإدراج اختلافِ المَلَوْينِ في سلك التفكر مع ذكره فيما سلف إما للإيذان بظهور اندراجِه فيه لما أن ذلك من الأحوال التابعةِ لأحوال السمواتِ والأرضِ كما أشير إليه وإما للإشعار بمسارعتهم إلى الحُكم بالنتيجة بمجرد تفكرِهم في بعض الآياتِ منْ غيرِ حاجةٍ إلى بَعْضٍ آخرَ منها فِى إثبات المطلوب والخلقُ مصدرٌ على حاله أي يتفكرون في إنشائهما وإبداعِهما بما فيهما من عجائبِ المصنوعات وقيل بمعنى المخلوقِ على أن الإضافةَ بمعنى في أي يتفكرون فيما خُلق فيهما أعمُّ من أن يكون بطريق الجزئيةِ منهما أو بطريق الحلولِ فيهما أو على أنها بيانية
رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا باطلا كلمةُ هذا إشارةٌ إلى السموات والأرضِ متضمّنةٌ لضرب من التعظيم كما في قوله تعالى إن هذا القرآن يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ والتذكيرُ لما أنهما باعتبار تعلّقِ الخلقِ بهما في معنى المخلوق وباطلا إما صفةٌ لمصدرٍ مؤكدٍ محذوفٍ أو حالٌ من المفعولِ بِه أي ما خلقتَ هذا المخلوقَ البديعَ العظيمَ الشأنِ عبثاً عارياً عن الحكمة خالياً عن المصلحة كما ينبئ عنه أوضاعُ الغافلين عن ذلك المعرِضين عن التفكر فيه بل منتظما لحكم جليلية ومصالحَ عظيمةٍ من جملتها أن يكون مداراً لمعايش العبادِ ومناراً يُرشدهم إلى معرفة أحوالِ المبدأ والمعادِ حسبما أَفْصحت عنه الرسلُ والكتبُ الإلهية كما تحققتَه مفصلاً والجملة بتمامها في حيز النصب بقول مقدر هو على تقدير كونِ الموصول نعتا لأولي الألباب استئنافٌ مبينٌ لنتيجة التفكرِ ومدلول الايات ناشئ مما سبق فإن النفسَ عند سماعِ تخصيصِ الآياتِ المنصوبةِ في خلق العالمِ بأولي الألباب ثم وصفَهم بذكر الله تعالَى والتفكرِ في محال الآياتِ تبقى مترقبةً لما يظهر منهم من آثارها وأحكامِها كأنَّه قيلَ فماذا يكونُ عند تفكرِهم في ذلك وماذا يترتب عليه من النتيجة فقيل يقولون كيت وكيت مما ينبئ عن وقوفهم على سر الخلقِ المؤدِّي إلى معرفة صدقِ الرسلِ وحقية الكُتب الناطقةِ بتفاصيل الأحكامِ الشرعيةِ على التفصيل الذي وقفت عليه هذا وأما جعلُه حالا من المستكنِّ في الفعل كما أطبقَ عليه الجمهورُ فمما لا يساعده النظمِ الكريمِ لما أن مَا في حيزِ الصِّلةِ وما هو قيدٌ له حقُّه أن يكون من مبادى

صفحة رقم 130

١٩٢ - ١٩٣ آل عمران الحُكمِ الذي أُجريَ على الموصول ودواعي ثبوته له كذكرهم الله عزَّ وجلَّ في عامة أوقاتِهم وتفكرِهم فِى خَلْقِ السموات والأرض فإنهما مما يؤدي إلى اجتلاء تلك الآياتِ والاستدلالِ بها على المطلوب ولا ريب في أن قولَهم ذلك ليس من مبادى الاستدلال المذكورِ بل من نتائجه المترتبةِ عليه فاعتبارُه قيداً لما في حيّز الصلةِ مما لا يليق بشأن التنزيلِ الجليلِ نعم هو حال من ذلك على تقدير كونِ الموصولِ مرفوعاً أو منصوباً على المدح أو مرفوعاً على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوف إذ لااشتباه في أن قولَهم ذلك من مبادى مدحِهم ومحاسنُ مناقبهم وفي إبراز هذا القولِ في معرض الحالِ دون الخبرِ إشعارٌ بمقارنته لتفكرهم من غيرِ تلعثمٍ وترددٍ في ذلكَ وقولُه تعالَى
سبحانك أي تنزيهاً لك عما لا يليق بك من الأمور التي من جملتها خلق مالا حكمة فيه اعتراض مؤكدة لمضمون ما قبله وممهد لما بعده من قوله تعالى
فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ فإن معرفةَ سرِّ خلقِ العالمِ وما فيه من الحكمةِ البالغةِ والغايةِ الحميدةِ والقيامَ بما تقتضيه من الأعمال الصالحةِ وتنزيهَ الصانعِ تعالى عن العبث من دواعي الاستعاذة مما يَحيق بالمُخلِّين بذلك من وجهين أحدُهما الوقوفُ على تحقق العذابِ فالفاءُ لترتيبِ الدعاءِ عَلَى ما ذُكر والثاني الاستعدادُ لقبول الدعاءِ فالفاءُ لترتيب المدعوِّ أعني الوقايةَ على ذلك كأنه قيل وإذ قد عرَفنا سرَّك وأطعنا أمرَك ونزّهناك عما لا ينبغي فقِنا عذابَ النارِ الذي هو جزاءُ الذين لا يعرِفون ذلك

صفحة رقم 131

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

عرض الكتاب
المؤلف

أبو السعود محمد بن محمد بن مصطفى العمادي

الناشر دار إحياء التراث العربي - بيروت
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية