قوله عز وجل: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١)
هذا تعريض ببني إسرائيل، وذاك لأن أبا عبيدة بن الجراح قال:
قلت: يا رسول الله، من أشد الناس عذابًا يوم القيامة؟
قال: "من قتل نبيٍّا أو رجلًا أمر بمعروف ونهى عن منكر"، ثم قرأ الآية، وقال: "يا أبا عبيدة قتل بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيًّا في ساعة من صدر النهار، فقام مائة واثنا عشر رجلًا من عُبَّادهم، فأمروهم بالمعروف، ونهوهم عن المنكر، فقُتِلُوا جميعهم آخر النهار".
إن قيل: لِمَ أعيد يقتلون ولم يقل: ويقتلون النبيين ويقتلون الذين
يأمرون؟ فقل: لأمرين:
أحدهما تفظيعًا لشانهم.
والثاني: أنه يجوز أن يكون أحد القتلين تفويت الروح والآخر الإِهانة وإماتة
الذكرِ، وذلك كثير في كلامهم.
إن قيل: لِمَ قال: (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ)، وقتلهم لا يكون بحق على وجه حتى يحتاج إلى تقييده بذلك؟
قيل: قوله (بِغَيْرِ حَقٍّ) ليس يتعلق بقوله (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ)، بل هو من صفة الذين يكفرون، كأنه قال: هم يقتلون، وهم غير محقين، ووصفهم بذلك من أنهم
غير محقين في جميع أحوالهم، وتخصيص أنها للاستقبال في
قوله: (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ) كتخصيصه في قوله: (تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ)، قد تقدَّم الكلام فيه.
وكذلك قد تقدم تخصيصُ لفظ البشارة في العذاب.
مع كونه موضوعَا لما يسر.
فإن قيل: ما فائدة قوله (مِنَ النَّاسِ)؟
قيل: عنى بذلك وجود الفضيلة المختصة بالإنسان في النبيين، والآمرين
بالقسط، وذلك نحو قولهم: فلان هو إنسان، وعلى ذلك
قول الشاعر:
إذ الناسُ ناس والزمان يَعِزُّ به.
تفسير الراغب الأصفهاني
أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى
هند بنت محمد سردار