قوله تعالى: اللهم : اختلف البصريون والكوفيون في هذه اللفظة الكريمة. فقال البصريون: الأصلُ يا الله، فحُذِفَ حرفُ النداء، وعُوِّضَ عنه هذه الميمُ المشددة. وهذا خاصٌّ بهذا الاسمِ الشريف فلا يجوزُ تعويضُ الميمِ من حرفِ النداء في غيره، واستدلُّوا على أنَّها عوضٌ من «يا» أنهم لم يَجْمَعوا بينهما فلا يُقال: يا اللهمَّ إلاَّ في ضرورةٍ كقوله:
صفحة رقم 97
| ١٢١٢ - وما عليكِ أَنْ تقولي كلما | سَبَّحْتِ أو هَلَّلْتِ يا اللهم ما |
| ١٢١٣ - كحَلْفَةٍ من أبي دِثار | يَسْمَعُها اللهُمَ الكُبارُ |
الزجاج مذهبَ الفراء بأنه لو كان الأصل:» يا لله أُمَّنا «لَلُفِظَ به مَنْبَهَةً على الأصل كما قالوا في: وَيْلُمِّه: ويلٌ لأُمِه.
ومن أحكام هذه اللفظةِ أيضاً أنها كَثُرَ دَوْرُها حتى حُذِفَتْ منها الألف واللامُ في قولِهم:» لاهُمَّ «أي: اللهم، وقال الشاعر:
وقال آخر:١٢١٤ - لا هُمَّ إنَّ عامرَ بنَ جَهْمِ أَحْرَم حَجَّاً في ثيابٍ دُسْمِ
وفي هذه الكلمةِ أبحاثُ كثيرةٌ موضِعُها غيرُ هذا.١٢١٥ - لا هُمَّ إنَّ جُرْهُما عِبادُكا الناسُ طَرْفٌ وهمُ بِلادُكا
قوله: مَالِكَ الملك فيه أوجهٌ، أحدُها: أنه بدلٌ من» اللهم «. الثاني: أنه عطفُ بيان. الثالث: أنه منادى ثانٍ، حُذِفت منه حرفُ النداء، أي: يا مالكَ المُلك، وهذا هو البدلُ في الحقيقةِ، إذ البدلُ على نيةِ تكرارِ العاملِ، إلاَّ أنَّ الفرقَ هذا ليسَ بتابعٍ. الرابع: أنه نعتٌ ل» اللهم «على الموضعِ فلذلك نُصِب، وهذا ليس مذهب سيبويه، فإنَّ سيبويه لا يُجِيزُ نَعْتَ هذه اللفظةِ لوجودِ الميم في آخِرها، لأنها أَخْرَجَتْها عن نظائرها من الأسماءِ، وأجازَ المبرد ذلك، واختارَه الزجاج قالا: لأنَّ الميمَ بدَلٌّ من» يا «
والمنادى مع» يا «لا يمتنعُ وَصْفُه فكذا مع ما هو عوضٌ منها، وأيضاً فإنَّ الاسمَ لم يتغيَّرْ عن حكمِه، ألا تَرَى إلى بقائه مبنياً على الضم كما كانَ مبنياً مع» يا «.
وانتصرَ الفارسي [لسيبويه] بأنه ليسَ في الأسماءِ الموصوفةِ شيءٌ على حَدِّ «اللهم» فإذا خالَفَ ما عليه الأسماءَ الموصوفَةَ ودخل في حَيِّزِ ما لا يُوصَفُ من الأصواتِ وَجَبَ ألاَّ يوصَفَ، والأسماءُ المناداةُ المفردةُ المعرفةُ القياسُ ألاَّ توصفَ كما ذهب إليه بعضُ الناسِ لأنها واقعةٌ موقعَ ما لا يوصف. وكما أنه لمَّا وَقَع موقعَ ما لا يُعْرَبُ لم يُعْرَبْ، كذلك لَمَّا وَقَعَ مَوْقِعَ ما لا يُوْصَفُ لم يُوْصَفْ. فأما قوله:
| ١٢١٦ - يا حكمُ الوارثُ عن عبد الملكْ | ....................... |
| ١٢١٧ - يا حَكَمُ بنَ المنذرِ بنَ الجارودْ | سُرادِقُ المجدِ عليك مَمْدُودْ |
| ١٢١٨ -......................... | ............... يا عُمَرُ الجَوادا |
| ١٢١٩ - يا دارمَيَّةَ بالعَلْياءِ فالسَّنَدِ | أَقْوَت وطالَ عليها سالِفُ الأبدِ |
والثالث من وجوه «تُؤتي» أن يكونَ خبرَ مبتدأ مضمر أي: أنت تُؤتي، فتكونُ الجلمةُ اسميةً، وحينئذ يجوز أن تكونَ مستأنفة وأن تكون حالية.
وقوله: تَشَآءُ أي: تشاء إيتاءه، وتشاء انتزاعه، فحذف المفعول بعد المشيئة للعلم به/ صفحة رقم 101
قوله: بِيَدِكَ الخير [قيل: في الكلام حذفُ معطوف تقديره: والشر، فحذف كقوله] :تَقِيكُمُ الحر [النحل: ٨١] أي: والبردَ، وكقوله:
| ١٢٢٠ - كأنَّ الحَصَا مِنْ خلفِها وأمامِها | إذا نَجَلْتهُ رِجْلُها خَذْفَ أَعْسَرا |
وقال الزمخشري: «فإن قلت: كيف قال:» بيدِك الخيرُ «فذكرَ الخيرَ دونَ الشر؟ قلت: لأن الكلامِ إنما وقع في الخير الذي يسوقه الله إلى المؤمنين، وهو الذي أنكرَتْه الكفرةُ، فقال: بيدك الخير تؤتيه أولياءَك على رغمٍ مِنْ أعدائك» انتهى.
وهذا جوابٌ حسنٌ جداً، ثم ذكر هو كلاماً آخرَ يُوافق مذهبَه لا حاجةَ لنا به، وقيل: هذا من آداب القرآن حيث لم يصرِّحْ إلا بما هو محبوبٌ لخَلْقِه، ونحوٌ منه قولُه: «والشرُّ ليس إليك» وقولُه: وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء: ٨٠].
والنَّزْعُ: الجَذْبُ، يقال: نَزَعَهُ يَنْزِعُه نَزْعاً إذا جَذَبَه عنه، ويُعَبَّر به عن المَيْلِ، ومنه: «نَزَعَتْ نفسُه إلى كذا» كأنَّ جاذباً جَذَبَها، ويُعَبَّر به عن الإِزالَةِ، «نَزَعَ الله عنك الشَّر» أي: أَزاله، يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا [الأعراف: ٢٧] أي: أَزاله، وكهذه الآيةِ فإنَّ المعنى: ويُزِيلُ المُلْكَ. صفحة رقم 102
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أبو العباس، شهاب الدين، أحمد بن يوسف بن عبد الدائم المعروف بالسمين الحلبي
أحمد بن محمد الخراط