قل يا محمد و المقولة بعد ذلك اللهم أصلها يا الله حذف حرف النداء وزيدت الميم عوضا عنه ولذلك لا يجتمعان وهذا من خصائص هذا الاسم الرفيع كدخول حرف النداء عليه مع لام التعريف وقطع همزته ودخول تاء القسم عليه، وقيل : أصله يا الله أمّنا بخير أي اقصدنا فخفف بحذف حرف النداء ومتعلقات الفعل وهمزته فبقي اللهم، وربما خففوا فقالوا : ألا هم وكل ذلك لكثرة الاستعمال نظيره هلم إلينا كان أصله :
" هل أمّ إلينا " أي : هل قصد إلينا، وإذا قيل : اللهم اغفر لي فقوله اغفر لي بيان لأمنا وكذا في قوله :" اللهم العن رعلا وذكوان "، فإن لعن الأعداء يصلح بيانا لأمنا بخير مالك الملك صفة للمنادى، وقيل نداء بعد نداء حذف منه أيضا حرف النداء تقديره يا مالك الملك، ولا يجوز جعله صفة للمنادى لأن المنادى الأول مكفوف كصوت بلحوق كلمة هو ومثله لا يوصف كذا قال سيبويه ونقض بسيبويه النحوي، ودفع بأن الصوت هنا لم يبق على معناه يجعله جزءا للكلمة بخلاف ما نحن فيه، و الملك مصدر يشتق منه الملك، والمراد به المفعول أريد به عالم الإمكان واللام للاستغراق فإن الله تعالى خالقه ومالكه يتصرف فيه كيف يشاء ويهب منه ما يشاء لمن يشاء ولا يجوز لأحد أن يتصرف في شيء من الأشياء إلاّ بإذنه وتمليكه تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء واللام في اللفظين للعهد الذهني، والمعنى تعطي من الملك ما تشاء من تشاء وتسترد كذلك، عدل من الضمير إلى الظاهر وتعز من تشاء وتذل من تشاء في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما بالنصر والإدبار والتوفيق والخذلان في الدنيا والثواب والعذاب في الآخرة بيدك الخير قيل تقديره بيدك الخير والشر فاكتفى بذكر أحدهما كما في قوله تعالى : سرابيل تقيكم الحر ١ أي الحر والبرد، وقيل : خص ذكر الخير لسياق الكلام فيه حيث وعد النبي صلى الله عليه وسلم أمته ملك فارس
و الروم، وقيل : ذكر الخير حده لأنه المقضي بالذات و الشر مقضي بالعرض إذا لا يوجد شر جزئي ما لم يتضمن خيرا كليا أو لمراعاة الأدب في الخطاب، قلت : لعل المراد بالخير الوجود فالوجود الحقيقي الذي لا حظ له من العدم مختص بالواجب لذاته خير محض ليس فيه شائبة من الشر، والوجود الظلي الذي به تحقق الممكن في الخارج الظلي مستفاد من الواجب، والعلة الذي هو حصة من الشر في الممكن ذاتي له غير مستفاد من العلة، ومعنى إسناد الشر إلى الله تعالى أن الممكن الذي الشر داخل في مفهومه وبعض أفراده أكثر شرا من البعض وحصة الوجود منه مستند إلى الوجود الحق وأما حصة الشر منه فذاتي له فما أصدق قوله تعالى بيدك الخير إنك على كل شيء قدير ولا يقدر أحد غيرك على شيء أصلا. وقدرة العباد إنما هي قدرة متوهمة بها يسمى العبد كاسبا و الله خلقهم وما يعملون، قال البيضاوي : نبّه بهذه الجملة على أن الشر أيضا بيده، قلنا نعم لكن معنى كونه تعالى قادرا على الشر وكون الشر بيده أنه تعالى قادر على عدم إفاضة الخير فإن القدرة معناه إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل وإذ لم يفعل الخير بقي الممكن على الشر الأصلي.
التفسير المظهري
المظهري