ﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡ

ثم ذكر الحق تعالى نزع ملك أهل الكتاب، وسلب عزهم، وانتقاله إلى المسلمين، فقال :
قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي الْلَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
قلت : اللهم منادى مبني على الضم، حذفت منه الياء المتضمنة للفرق، وعوضت منها الميم المُؤْذِنة بالجمع، لئلا يبقى بين الداعي والمدعو فَرْقٌ، و مالك : نعت لمحل المنادي ؛ لأنه مفعول، ومنادى ثانٍ عند سيبويه، لأن الميم عنده تمنع الوصفية.
يقول الحقّ جلّ جلاله : قل يا محمد في استنصارك على عدوك : اللهم يا مالك الملك ؛ مُلك الدنيا وملك الآخرة، تؤتي الملك والنصر من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء ، فهب لنا ملك الدارين، والنصر على الأعداء في كل أين، وانزع الملك من يد عدونا، وانقله إلينا وإلى من تبعنا إلى يوم الدين. قال قتادة :( ذُكر لنا أن النبيّ صلى الله عليه وسلم سأل ربه أن يجعل مُلك فارس والروم في أمته، فأنزل الله تعالى هذه الآية ).
وتعز من تشاء بالإيمان والطاعة وتذل من تشاء بالكفر والمعصية، أو تعز من تشاء بالمعرفة، وتذل من تشاء بالفكرة، أو تعز من تشاء بالقناعة والورع، وتذل من تشاء بالحرص والطمع، أو تعز من تشاء بالتوفيق والإذعان، وتذل من تشاء بالكسل والخذلان، بيدك الخير كله، فأعطنا من خيرك الجزيل، وأجرنا من الشر الوبيل، فالأمور كلها بيدك.
قال البيضاوي : ذكر الخير وحده ؛ لأنه المقضي بالذات، والشر مقضي بالعرض ؛ إذ لا يوجد شر جزئي ما لم يتضمن خيراً كليّاً. أو لمراعاة الأدب في الخطاب، أو لأن الكلام وقع فيه، إذ رُوِيَ أنه عليه الصلاة والسلام - لَمَّا خَطَّ الخَنْدَقَ، وقَطَعَ لكل عَشَرَة أربعينَ ذِرَاعاً، وأخذوا يَحْفرُون، فظهر فيه صخْرَةٌ عظيمةٌ لم تَعْمَلْ فيها المَعَاوِلُ، فَوَجَّهُوا سلْمَانَ إلى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يُخبرُه، فجاء عليه الصلاة والسلام، فأخذ المعْول منه، فَضَرب به ضَرْبَةً صدعَهَا، وَبَرَقَ مِنْهَا برق أضَاءَ ما بَيْنَ لابَتَيْها١، لكأن مصباحاً في جوْف بَيتِ مُظلم، فكَبَّرَ، وكَبَّرَ معه المسلمونَ، وقال : أضَاءَتْ لي مِنْهَا قُصُور الحيرة، كأنها أنيابُ الكلاب، ثم ضرب الثانية، فقال : أضَاءَتْ لي مِنْها القُصور الحمر من أرض الروم، ثم ضرب الثالثة، فقال : أضاءت لي منها قُصُورُ صَنعاء، وأخْبرَنِي جِبْريل أنَّ أُمَّتِي ظَاهرةٌ علَى كُلِّها، فأبشروا، فقال المنافقون : ألا تَعْجَبُون ! يمنيكم ويعدكم الباطل، ويُخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحِيَرةِ، وأنَّها تُفْتحُ لَكُمْ، وأنتم إنما تَحْفُرون الخنْدَقَ مِنَ الفَرَق٢ فنزلت، أي : الآية. ونبّه على أن الشر أيضاً بيده بقوله : إنك على كل شيء قدير . ه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : من ملك نفسه وهواه فقد ملكه الله ملك الدارين، ومن ملكته نفسه وهواه فقد أذلّه الله في الدارين ومن ملك نفسه لله فقد مكنه الله من التصرف في الكون بأسره، وكان حرّاً حقيقة، وفي ذلك يقول الشاعر :
دَعَوْنِي لمُلْكِهم، فلمَّا أجبتُهم *** قالُوا : دَعَوْنَاك للمُلْك لا للمِلْكِ
ومن أذلَّ نفسه لله فقد أعزّه الله، قال الشاعر :

تَذَلَّلّ لِمَنْ تَهوَى لِتَكْسِبَ عِــزَّةً فَكَمْ عزَّةٍ قَدْ نَالَهَا المَـرْء بالذُّلِّ
إذَا كانَ مَنْ تَهْوى عَزِيزاً وَلَم تَكُنْ ذَلِيلاً لَهُ، فَاقْرِ السَّلامَ عَلَى الْوصْلِ
قال ابن المبارك :( قلت لسفيان الثوري : من الناس ؟ قال : الفقهاء، قلت : فمن الملوك ؟ قال : الزهاد، قلت : فمن الأشراف ؟ قال : الأتقياء، قلت : فمن الغوغاء ؟ قال : الذين يكتبون الحديث ليستأكلوا به أموال الناس، قلت : أخبرني ما السفلة ؟ قال : الظلمة ). وقال الشبلي :( المُلك هو الاستغناء بالمكون عن الكونين ). وقال الوراق :( تُعز من تشاء بقهر النفس ومخالفة الهوى، وتذل من تشاء باتباع الهوى ). قلت : وفي ذلك يقول البرعي رضي الله عنه :
لا تَتْبَع النَّفْسَ في هَوَاهَا إنَّ اتِّبَاعَ الْهَوَى هَوَانُ
وقال وهب :" خرج الغِنَى والعز يجولان، فلقيا القناعة فاستقرا ". وقال عيسى عليه السلام لأصحابه : أنتم أغنى من الملوك، قالوا : يا روح الله ؛ كيف، ولسنا نملك شيئاً ؟ قال : أنتم ليس عندكم شيء ولا تريدونها، وهم عندهم أشياء ولا تكفيهم هـ.

قال الشافعي رضي الله عنه :
أَلاَ يا نفسُ إن ترضَيْ بِقُوتٍ فأنت عزيزةٌ أبداً غنيهْ
دَعِي عنكِ المطامِعَ والأمانِي فكمْ أُمْنِيَّةٍ جَلبَتْ مَنِيهْ
وقال آخر١ :
أَفَادتني القناعةُ كلَّ عــزٍّ وهَلْ عِزّ أعزُّ مِنْ القَنَاعَـهْ
فَصَيِّرْها لنفسِكَ رأسَ مالٍ وصَيِّرْ بعدها التَّقْوى بِضَاعَهْ
تَنَل عِزّاً وتَغْنَى عَنْ لَئِيمٍ وتَرْحَلْ للجِنَان بصبْرِ ساعَـهْ
وقال عليه الصلاة والسلام :" مَن أَصْبَحَ آمِناً فِي سِرْبِه، مُعَافى فِي بَدنه، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيا بحذافيرها ".
تولج ليل القبض في نهار البسط، وتولج نهار البسط في ليل القبض، وترزق من تشاء فيهما من العلوم والأسرار، بغير حساب ولا مقدار، أو تولج ليل العبودية في نهار الحرية، وتولج نهار الحرية في ليلة العبودية، فمن كان في نهار الحرية تاه على الوجود، ومن كان في ليل العبودية عطل ذله ذل اليهود، والعبد لا يخلو من هذين الحالين، يتعاقبان عليه تعاقب الليل والنهار، والله تعالى أعلم.

١ اللابة: الحرة، وهي الحجارة السوداء. ولابتاها: حرتان تكتنفان المدينة المنورة..
٢ الفرق: الخوف..

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير