(فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ)
ومعناه: كيف حالهم إذا جوزوا بفعلهم، ولم يُظلموا في بخس
ما استوجبوا من ثواب، أو زيادة ما استحقوا من عقاب.
ودلّ بالآية أن الكفار لا تغفر ذنوبهم، وعلي ذلك (يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا) الآية.
وقد تقدم معنى قوله: (وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ) في سورة البقرة.
وقوله عز وجل: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)
اللهم: تقديره عند سيبويه يا الله،
والميمان بدل من ياء، ولا يستعمل ذلك إلا في هذه اللفظة فقط.
وعند الفرَّاء تقديره: يا الله امنا بخير، فجعلا بمنزلة لفظ
واحد، وحذف الهمزة منه، كقولهم: هلّم، وأصله: هل أم،
وقال البصريون: لو كان كما ذكر الفرّاء لاستغنى به عن جواب
الشرط. إذا قيل: يا الله امنا بخير. لكون ذلك مكررًا.
والنزع: جذب الشيء من الشيء، وفصله عنه، ومنه المنازعة.
وسُمى الشوق نَزَّاعَا ونزوعًا لما تُصور في ذلك أن المحبوب ينزع
قلب المحب منه، والنزع ضربان: نزع إلى الشيء وهو الاشتياق.
ونزع عنه، وهو الكفُّ، وقيل للغريب: نزيع، لكونه منزوعًا
عن مسقط رأسه، أو لكونه نازعًا إليه، أي مشتاقًا، وقيل لمن
يشبه أعمامه وأخواله: نزيع لنزع الشبه منهم، أو لكونه منزوعًا
بالشبه عنهم، وسمي السهم مِنْزَعًا.
والنَّزْعَةُ: الموضع من رأس الأقرع، لكون شعره نزيعًا عنه.
وقد تقدَّم الكلام في المُلك،
والمِلك وأن المُلكَ كالنوع للملِكِ، فإن كل مِلْك مُلْك ما.
وليس كل مُلْك مِلْكا، وقد عظَّم الله أمره، وقرن بالكتاب والنبوة
ذكره، ففال: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا).
وقال: (إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا)
وقيل: الدين أسٌّ والمُلك حارس، لكون أحدهما غير مستغن عن الآخر من وجه، وقد يسمى المتسلط ملِكًا وإن كان على ضرب من المجاز، وعلى هذا
قوله: (وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ)، فسماه ملكًاً مع كونه غاصبًا.
واختُلفَ: هل يؤتى الملك الفاسق والكافر؟
فمنهم من قال: لا يُؤتاهما.
وإليه ذهب البلخي والجبائي، وذلك لنظرهم
إلى الملُك الأول، ولاعتبار قوله (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ).
ومنهم من قال: يُؤتاهما ذلك، وذلك لنظرهم إلى الثاني الذي هو
التسلُط، وكون ذلك أحد الأغراض الدنيوية، ولهذا قال
ربُّنا: (إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا)، والأظهر
في الآية أنه يعني الملكَ، الحقيقى لقوله: (وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ)
فأضافه إلى نفسه تعظيمًا له
والملك المطلق هو الملك الإِلهي، الذي لا جور فيه بوجه، ولذلك قرنه
بالعزِّ والذُلِّ، وإخراج الحي من الميت، والميت من الحي، وإيلاج
الليل في النهار، والنهار في الليل، وإعطاء الرزق، ونبه بقوله:
(مَالِكَ الْمُلْكِ) أن الملك في الحقيقة له وما لغيره عارية مستردة.
ولم يعن بالملك هاهنا سياسةْ العامة فقط، بل ملك الإِنسان
على قواه وهواه، فقد قيل: لا يصلح لسياسة الناس من لا يصلح
لسياسة نفسه. وقيل لبعضهم: من الملك؟ فقال: من ملك هواه
فقهره، وقوله: (وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ) أي تُعزه بإعطائه الملك.
(وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ) باسترجاعه منه أو حرمانه إياه.
وقيل: تُعزُ من تشاء بأن تصونه عن تمكينه من الملك في الدنيا.
وتذل من تشاء بإعطائه ذلك، وهذا التفسير على النظر إلى ما قال عليه
الصلاة والسلام: "ستحرصون على الإِمارة، ثم تكون حسرة
وندامة إلى يوم القيامة"
وما قال أبو بكر رضي الله عنه:
"إن أشقى الناس في الدنيا والآخرة الملوك، إن الرجل إذا ملك
زهَّده الله فيما في يده، ورغَبه فيما في يد غيره، ونقصه شطر أجله
وأُشرب قلبه الإشفاق، فهو يحسد على القليل، ويتسخَط
الكثير، فإذا وجبت نفسه حاسبه الله فأشدَّ حسابه وأقلّ غفره "
وقال بعض المفسرين: أمر نبيه في هذه الآية أن يدعوه، بأن يُحول
عِزَّ فارس إلى العرب، وخضص الملك بالنبوة، فقال معناه:
تؤتي النبوة من تشاء وتصرفها عمن تشاء.
وقيل قوله: (تُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ)
ليس براجع إلى المُلك، وإنما معناه:
من يشاء بطاعته، ويُذِلّ من يشاء بمعصيته، والأظهر أن يكون
ذلك عامًّا في كل عز وذل دنيويا كان أو أخرويا.
إن قيل: كيف قال: (بِيَدِكَ الْخَيْرُ) والخير والشر بيده؟
فقيل في ذلك أجوبة:
الأول: أراد الخير والشر، لكن الآية لما كانت في الحمد
والشكر لا للحكم ذكر الخير، إذ هو المشكور عليه، وعلى ذلك -
قوله (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ)، وفيه تعليمنا كيف نمدح
أبناء جنسنا بأن نذكرأشرف خصالهم.
والثاني: أنه نصّ على المعظّم ليُفهم منه الضد الآخر.
كقوله: (سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ)، وكقول الشاعر:
فما أدري إذا يممتُ وجهاً... أريدُ الخير أيُّهما يليني
والثالث: أنه أراد بالخير: الخير والشر، وسمَّاهما خيراً، لأنه
ليس في العالم شرٌّ خالص، كما أن فيه خيرا خالصاً، وذاك أن ما
هو شر بكذا هو خير لكذا، فالخير والشر يصدق عليهما الوصف
بالخير من هذه الجهة، ولا يصدق عليهما الوصف بالشر، فلو
قال بيده الشُر، لم يدخل فيه الخير.
ووصْفه بالقدرة على كل
تفسير الراغب الأصفهاني
أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى
هند بنت محمد سردار