ﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶ

والملائكة : جمع تكسير، يجوز في فعله التذكير والتأنيث، وهو أحسن، تقول : قام الرجال وقامت الرجال، فمن قرأ : فنادته الملائكة ، فعلى تأويل الجماعة، ومن قرأ : فناداه ، أراد تنزيه الملائكة عن التأنيث، ردّاً على الكفار. والمراد هنا : جبريل عليه السلام كقوله : يُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ بِالرُّوحِ [ النّحل : ٢ ]، وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ [ آل عِمرَان : ٤٢ ]، و بشر : فيها لغتان : التخفيف، وهي لغة تهامة، تقول : بَشَرَ يَبْشُر - بضم الشين في المضارع، والتشديد، وهو أفصح، تقول بَشْر يُبَشّر تبشيراً.
فنادته الملائكة ، وهو جبريل، لأنه رئيس الملائكة، والعرب تنادي الرئيس بلفظ الجميع ؛ إذ لا يخلو من أصحاب، وهو قائم يصلي في المحراب رُوِيَ : أنه كان قائماً يصلّي في محرابه، فدخل عليه شاب، عليه ثياب بيض، ففزع منه، فناداه، وقال له : إن الله يبشرك بيحيى ، سمي به ؛ لأن الله تعالى أحيا به عقم أمه، أو لأن الله تعالى أحيا قلبه بمعرفته، فلم يهم بمعصية قط، أو لأنه استشهد، والشهداء أحياء.
مصدقاً بكلمة من الله وهو عيسى، لأنه كان بكلمة : كُنْ، من غير سبب عادي، و سيداً أي : يسود قومه ويفُوقهم، و حصوراً ، أي : مبالغاً في حبس النفس عن الشهوات والملاهي. رُوِيَ أنه مرَّ في صباه على صبيان، فدعوه إلى اللعب، فقال : ما للعب خلقت، أو عِنِّيناً، رُوِيَ :
" أنه كان له ذَكَرٌ كالقذاة " رواه ابن عباس. وقال في الأساس :( رجل حصور : لا يرغب في النساء ). قيل : كان ذلك فضيلة في تلك الشريعة، بخلاف شريعة نبينا محمد صلى الله عليه وفي الورتجبي : الحصور : الذي يملك ولا يُملك. وقال القشيري : حصوراً : أي : مُعْتَقاً من الشهوات، مَكْفِيّاً أحكام البشرية، مع كونه من جملة البشر، ونبيّاً من الصالحين الذين صلحوا للنبوة وتأهلوا للحضرة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : الأصلاب الروحانية كالأصلاب الجسمانية، منها ما تكون عقيمة مع كمالها، ومنها ما تكون لها ولد أو ولدان، ومنها ما تكون لها أولاد كثيرة، ويؤخذ من قضية السيد زكريا عليه السلام : طلب الولد ؛ إذا خاف الولي اندراس علمه أو حاله بانقطاع نَسْله الروحاني، ولا شك في فضل بقاء النسل الحسيّ أو المعنوي، وقد قال عليه الصلاة والسلام :" إِذَا مَاتَ العبدُ انْقَطَعَ عمله إلا مِنْ ثَلاَثٍ : صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ وَلَدٍ صَالِح يَدْعُو لَهُ، أوْ عِلَم يُنْتَفَعُ به ". وشمل الولد البشري والروحاني، وقال عليه الصلاة والسلام لسيدنا عليّ - كَرّم الله وجهه - :" لأنْ يَهْدِيَ اللّهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لكَ مِنْ حُمْر النَعَمِ ".

وقال بعض الشعراء :

وَالمَرْءُ في مِيزانِه أتْباعُهُ فاقْدرْ إِذَنُ قَدْرَ النبيّ مُحمَّد
وقد سلَك هذا المسلك القطبُ بن مشيش في طلب الولد الروحاني، حيث قال في تَصْلِيَته المشهورة :( اسمه ندائي بما سمعت به نداء عبدك زكريا ). فأجابه الحق تعالى بشيخ المشايخ القطب الشاذلي. وغير واحد من الأولياء دخل محراب الحضرة، ونادى نداءً خفيّاً في صلاة الفكر، فأجابته الهواتف في الحال، بلسان الحال أو المقال : إن الله يبشرك بمن يحيي علمك ويرث حالك، مصدقاً بكلمة من الله، وهم أولياء الله، وسيداً وحصوراً عن شواغل الحس، مستغرقاً في مشاهدة القرب والأنس، ينبئ بعلم الغيوب، ويصلح خلل القلوب، فإذا استعظم ذلك واستغربه، قيل له : الأمر كذلك، ( الله يفعل ما يشاء إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون )، فحسبك الاشتغال بذكر الله، والغيبة عما سواه. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير