التفسير؛ وذلك أن مَنْ لا يُجابُ (١) كلامه، صار بمنزلة من لم يُسمع (٢)، فقيل لمن أجيب في سؤاله: سُمع دعاؤه. وعلى هذا دلَّ كلام ابن عباس في تفسير هذه الآية؛ لأنه قال في قوله (٣): إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ يريد: لأنبيائك، وأهل طاعتك (٤).
وهذا يدل على أنه أراد بالسمع: الإجابة؛ لأن دعاء غير هؤلاء مسموع لله تعالى على الحقيقة.
٣٩ - قوله تعالى: فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ يقال: نادى، مُناداةً، ونِداءً. فالكسر: مصدرٌ (٥)، والضم اسمٌ (٦). وأكثر ما جاءت الأصوات على ضَمِّ أولها؛ نحو: (الرُّغاء) (٧)، و (البُكاء)، و (الصُّراخ)، و (الهُتاف) (٨).
(٢) في (أ)، (ب): (يَسمع)، والمثبت من: (ج)، (د).
(٣) في (أ): قولك، والمثبت من: (ب)، (ج)، (د).
(٤) لم أقف على مصدر قول ابن عباس هذا.
(٥) انظر: "جمهرة اللغة" ٢/ ١٠٦١ (ندى).
(٦) ويردُ الاسمُ منه كذلك بالكسر؛ فيقال: (نِداء)، و (نُداء). وجعل الجوهريُّ الكسرَ هو الأصل، فقال: (النِّداء: الصوت، وقد يُضم). "الصحاح" ٦/ ٢٥٠٥. وانظر (ندى) في "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٥٤٥، "اللسان" ٧/ ٤٣٨٨، "التاج" ٢٠/ ٢٣٣.
(٧) في (ج)، (د): (الدعا). والرُّغاء: صوت البعير، والضبع، والنَّعام. انظر: "القاموس" ص ١٢٨٩ (رغى).
(٨) في جميع النسخ: (والهتات)، ولم أجدها في معاجم اللغة التي رجعت إليها، ولم أر لها وجهَا، وما أثبته هو ما رجَّحتُه؛ لأن (الهُتاف)، و (الهَتْف): هو الصوت الجافي العالي، أو الصوت الشديد. انظر: "المنتخب من غريب كلام العرب" لكراع النمل: ١/ ٢٩٤، "اللسان" ٨/ ٤٦١٢ (هتف).
وفي قوله: فَنَادَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ، قراءتان: التذكير، والتأنيث (١).
قال الفرَّاء (٢): (الملائكة)، وما أشبههم من الجمع، يُذَكَّر وُيؤَنَّث.
وقرأت القُرَّاءُ: يَعرُجُ الملائكة، و تَعرُجُ (٣) [المعارج: ٤]، و تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ و ويَتَوفَّاهم الملائكة (٤) (٥) [النحل: ٢٨]، فمن ذكَّر؛ ذهب إلى معنى التذكير، ومن أنَّث؛ فلِتأنيث الاسم.
قال الزجَّاج (٦): الجماعة، يلحقها التأنيث؛ للفظ الجماعة، ويجوز أن يُعبَّر عنها بلفظ التذكير؛ لأنه يقال: جَمْعُ الملائكة، وهذا كقوله: وَقَالَ نِسْوُةُ [يوسف: ٣٠].
وقال أهل المعاني (٧): أراد بالملائكة (٨) ههنا: جبريل، وحده (٩)،
(٢) في "معاني القرآن" له: ١/ ٢٠٩، نقله بنصه.
(٣) والقراءة بالياء: للكسائي، وبالتاء: للباقين. انظر كتاب "الإقناع"، لابن مهران: ٢٩٧، "حجة القراءات"، لابن زنجلة ٧٢١، "التبصرة" ٧٠٨.
(٤) الملائكة: ليست في: (ج) و (د).
(٥) القراءة في الموضعين بالياء: لحمزة، وبالتاء: للباقين. انظر: "الكشف" ٢/ ٣٦، "حجة القراءات" ٣٨٨.
(٦) في "معاني القرآن" له ١/ ٤٠٥. نقله عنه بتصرف يسير.
(٧) نقل المؤلف هنا عبارة الفراء باختصار عن "معاني القرآن" ١/ ٢١٠، وممن قال بذلك: الطبري في "تفسيره" ٣/ ٢٥٠، والزجاج في "المعاني" ١/ ٤٠٥، والنحاس في "المعاني" ١/ ٣٩٠، والثعلبي في "تفسيره" ٣/ ٤٥ أ.
(٨) قوله: (المعاني أراد بالملائكة): مكانها بياض في: (د).
(٩) ممن قال بأن المنادي: جبريل وحده: عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-، والسدي، ومقاتل.=
وذلك جائز في العربية أن تخبر عن الواحد بمذهب الجمع؛ كما تقول في الكلام: (ركب السفنَ)، و (خرجَ على البِغالِ)، وإنما ركب بغلاً واحدًا. وهذا (١) جائز فيما لم يُقْصد فيه قَصْد (٢) واحدٍ بعينه.
قال الزجَّاج (٣): المعنى: أتاه النداءُ من هذا الجنس، الذين هم الملائكة (٤)، كما تقول: (ركب فلانٌ في السُّفُن) وإنما ركب في سفينةٍ واحدةٍ؛ تريد بذلك: جَعْلَ ركوبه في هذا الجنس.
ومثل (٥) هذا مما في القرآن قوله: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ [آل عمران: ١٧٣]، وهو نعيْمُ بن مَسعود (٦)، إِنَّ النَّاسَ، يعني: أبا سُفيان (٧).
قال المفضَّل: إذا كان القائل رئيسًا، فيجوز الإخبار عنه بالجمعِ؛
(١) (ج) (وهو).
(٢) في (أ)، (ب): (وقصد)، والمثبت من: (ج) (د)، ومن "معاني القرآن".
(٣) في "معاني القرآن" له ١/ ٤٠٥، نقله عنه بتصرف يسير جدًّا.
(٤) في (ج): (ملائكة). وقوله: (الذين هم ملائكة): ليس في "معاني القرآن".
(٥) من قوله: (ومثل..) إلى (.. جرى على هذا): نقله بتصرف يسير عن "تفسير الثعلبي" ٣/ ٤٥ أ.
(٦) هو أبو سلمة، نُعَيم بن مسعود بن عامر الأشجعي. صحابي مشهور، هاجر إلى الرسول يوم الخندق، وهو الذي خذَل المشركين واليهود حتى صرف الله المشركين، سكن المدينة، قتل في وقعة الجمل في أوّلِ خلافة علي، وقيل: مات في خلافة عثمان - رضي الله عنه -. انظر: "الاسيعاب" ٤/ ٧٠ (٢٦٥٨)، "الإصابة" ٣/ ٥٦٨ (٨٧٧٩).
(٧) سيأتي بيان قصة الآية في موضعها من هذه السورة، عند تفسير آية: ١٧٣ إن شاء الله تعالى.
لاجتماع أصحابه معه، فلمَّا كان جبريل عليه السلام رئيس الملائكة، وقلَّما يُبْعثُ إلاَّ ومعه جَمعٌ منهم، جُرِيَ على هذا. وهذا قول ابن عباس (١)، والأكثرين (٢): إنَّ المنادى جبريل وحده.
وقال غيره: ناداه جماعةٌ من الملائكة (٣).
وقوله تعالى: أَنَّ اللهَ يُبَشِرُكَ يُقْرأ بـ إِنَّ (٤): مكسورًا ومفتوحاً (٥)؛ فمن فتح (٦)، كان المعنى: (فنادته بِأَنَّ اللهَ)، فلمَّا حذف الجارّ منها (٧)، وصل الفعلُ إليها فنصبها؛ فـ (أَن) (٨) في موضع
(٢) قوله: (والأكثرين)، سبق أن بينت أنه لم يقل بهذا القول غير ابن مسعود - رضي الله عنه - والسدي، ومقاتل، بناءً على المصادر التي رجعت إليها.
(٣) ورَجَّح هذا الطبري؛ حملًا لتأويل القرآن على الأظهر الأكثر من كلام العرب، دون الأقل، ما وُجِد إلى ذلك سبيل. وبيَّن أنَّه لا حاجة هنا لصرفه إلا أنه بمعنى واحد. وبيَّن أنَّ هذا قول جماعة من أهل العلم، ومنهم: قتادة، والربيع، وعكرمة، ومجاهد، وغيرهم. "تفسير الطبري" ٣/ ٢٥٠، وانظر: "تفسير عبد الرزاق" ١/ ١٢٠، "تفسير ابن أبي حاتم" ٢/ ٦٤١، "الدر المنثور" ٢/ ٣٧، ورجحه كذلك النحاس في "القطع والائتناف" (٢٢٣).
(٤) في (ج)، (د): (إن). وفي (د) بدلًا من: (بإن).
(٥) قرأ ابن عامر، وحمزة: إِنَّ بالكسر، وقرأ الباقون: أَن بالفتح. انظر: "السبعة" ٢٠٥، "الحجة" للفارسي: ٣/ ٣٨، "الكشف" لمكي: ١/ ٣٤٣.
(٦) من قوله: (فمن..) إلى (.. فأضمر القول في ذلك كله): نقله باختصار وتصرف يسير عن "الحجة" للفارسي: ٣/ ٣٩، ٣٨
(٧) (منها): ساقطة من (ج).
(٨) في (ج): (بأن).
[نصب] (١). وعلى قياس قول الخليل: في موضع (٢) [جَرٍّ] (٣). وقد ذكرنا هذه المسألة فيما تقدم.
ومن كَسَرَ، أضمر القولَ؛ كأنه: (ناداه، فقال: إنَّ الله) فحذف القولَ. وإضمار القول كثير في هذا النحو، كما قال: وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ [الرعد: ٢٣ - ٢٤]، وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا [الأنعام: ٩٣]، فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ [آل عمران: ١٠٦]، فأضمر القول في ذلك كلِّه (٤).
وقوله تعالى: يُبَشِّرُكَ قد (٥) ذكرنا معنى التبشير في قوله: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة: ٢٥].
وقرأ حمزةُ والكسائيُّ (٦):
(٢) (في موضع): مكانها بياض في: (د).
(٣) ما بين المعقوفين زيادة من "الحجة" للفارسي، يقتضيها السياق. وانظر: "كتاب سيبويه" ٣/ ١٢٦ - ١٢٩، ١/ ٩٢، ٣٧ - ٣٩، "المحلى ووجوه النصب" لابن شقير: ٧٦، "سر صناعة الإعراب" ١٣٠، "الكشف" لمكي ١/ ٣٤٣. وانظر تفسير آية١٩ من هذه السورة، وما سيذكره عند تفسير أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ آية: ٧٣ من هذه السورة.
(٤) هذا على مذهب البصريين القائلين بإضمار القول، أما على مذهب الكوفيين، فإنهم أجروا النداء مُجرى القول. انظر: "البحر المحيط" ٢/ ٤٤٦، "الدر المصون" ٣/ ١٥٢، "إتحاف فضلاء البشر" للبنا ص ١٧٤.
(٥) من قوله: (قد..) إلى (.. وقرأ حمزة والكسائي: يبشرك): ساقط من (د).
(٦) انظر: "السبعة" ٥٠٢، "الحجة" للفارسي: ٣/ ٤١. وقد قرأ حمزة: (يَبْشُرُ) بالتخفيف في كل القرآن، إلا في قوله: قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ [آية ٥٤ من سورة الحجر]، فقرأها بالتشديد (يُبَشِّرون). أما الكسائي: فقد قرأها بالتخفيف في خمسة مواضع: (آل عمران: ٣٩، ٤٥) و (الإسراء: ٩) =
يُبَشِّرُكَ (١)، مُخَفَّفاً، من (البَشْرِ) (٢) وهو بمعنى: التبشير (٣).
قال أبو زيد: يقال: (بَشَّرَ، يُبَشِّرُ)، [و (أبْشَرَ يُبْشِرُ] (٤) إبْشارا)، و (بَشَرَ، يَبْشُرُ، بَشْرا)، ثلاث لغات (٥). ونحو هذا قال ابن الأعرابي فيما روى عنه ثَعْلَب (٦).
(١) وردت في: (أ) يَبْشِرُكَ بكسر الشين المخففة، وأهملت حركاتها في بقية النسخ، ولم ترد بها قراءة، والصواب من قراءتها ما أثبته، وما سبق الإشارة إليه، وقد ورد في قراءة مجاهد، وحميد بن قيس الأعرج: (يُبْشِرُكَ) بضم الياء، وتسكين الباء، وكسر الشين المخففة. انظر: "معاني القرآن" للزجَّاج: ١/ ٤٠٥، "المحتسب" ١/ ١٦١، "تفسير الثعلبي" ٣/ ٤٥ ب. انظر ترجمة حميد بن قيس في "غاية النهاية" ١/ ٢٦٥ برقم (١٢٠٠).
(٢) في (أ): البَشرَ، ولم أر لها وجهًا، وأهملت حركاتها في بقية النسخ، وما أثبته، هو ما استصوبته. قال في "اللسان" ٤/ ٦١ (بشر): (وقد بَشَرَه بالأمر، يَبْشُرُه بالضم بَشْرًا، وبُشُورا، وبِشْرًا، وبَشَرَهُ به بَشْرًا.. وبَشرَ يَبْشُرُ بَشْرًا وبُشُورًا) وانظر: "الصحاح" ٢/ ٥٩٠ (بشر).
(٣) قال الفرَّاء في "معاني القرآن" ١/ ٢١٢: (وكأن المشَدَّد على: بِشارات البُشَراء، وكأن التخفيف من وجهة الإفراح والسرور، وهذا شيء كان المشيخة يقولونه).
(٤) ما بين المعقوفين زيادة من (ج)، (د)، ومن "الحجة" للفارسي.
(٥) لم أقف على قول ابن زيد فيما رجعت إليه من مصادر، ويبدو أن هذا قول أبي الحسن (الأخفش)، كما في "الحجة" للفارسي ٣/ ٣٧، ونصه: (قال أبو الحسن: في (يبشر) ثلاث لغات:..) وذكر ما دُوِّنَ أعلاه، ثم بعدها نقل الفارسي قولًا آخر لأبي زيد مغاير لما هنا، فقال: (قال أبو زيد..).
(٦) انظر: "تهذيب اللغة" ١/ ٣٣٨ (بشر).
وقال أهل اللغة (١): أصل معنى (البَشْرِ): إصابة البَشَرَةِ يقال: (بَشَرتُ الأديمَ) (٢): إذا أخذتُ بَشَرَتَه بشَفْرةٍ، و (بَشَرَ الجرادُ الأرض): إذا أكلَ ما عليها، [فأخذ بَشَرَتها (٣)، فاستُعمِلَ هذا في إيراد الخبرِ (٤) السَّارِّ؛ لأنه يصيب البَشَرَة بالهَشاشَةِ (٥)] (٦).
وقال الزجَّاج (٧):
معنى يُبَشِّرُكَ (٨) بالتخفيف: يسُرُّكَ، ويُفرِحُكَ، يقال: (بَشَرْتُ
(٢) الأديم هنا: الجلد. انظر القاموس (أدم) ص ١٠٧٤.
(٣) أخذ بشرتها؛ أي: أكل ما ظهر من نباتها، فجعل ظاهر الأرض كأنه بشرة لها.
(٤) في (د): هذا إيراد في الخبر.
(٥) الهَشَاشة والهَشَاشُ: الارتياح، والخفَّةُ، والنشاط، يقال: (هَشِشْتُ إليه، أهَشُ، هَشاشة): إذا خففت إليه، وارتحت له. انظر: "إصلاح المنطق" ٢٠٠، "القاموس المحيط" ٦١٠ (هش).
(٦) ما بين المعقوفين زياد من: (ج) (د).
(٧) في "معاني القرآن" له ١/ ٤٠٥. ولكن النصَّ في "معاني القرآن" المطبوع المتداول يختلف بعض اختلافٍ في ضبط الكلمات عمَّا أورده الواحدي، ونصه في "معاني القرآن" (ومعنى: يُبْشرك: يسرك ويفرحك، يقال: بَشَّرتُ الرجلَ أبَشِّرُه، وأبْشُرُه: إذا أفرحته، ويقال: بَشُرَ الرجل يَبْشرُ)، وما أورده المؤلف مطابق لما فى "تهذيب اللغة" ١/ ٣٣٨ (بشر)، وأورده كذلك ابن الجوزي في "الزاد" ١/ ٣٨٢، وصاحب "اللسان" ١/ ٢٨٧ (بشر) مما يعني أن يكون الأزهري، والواحدي، قد نقلا من نسخة أخرى غير المعتمدة في المطبوعة، أو يكون الواحدي، نقل النص عن الأزهري، وهو ما أرجحه؛ نظرًا لأن "التهذيب" من مصادره الأساسية، التي اعتمد عليها كثيرًا.
(٨) في (أ): يَبْشِرُكَ أما بقية النسخ فقد أهملت حركاتها. وفي "معاني القرآن" المطبوع =
الرَّجُلَ، أبْشُره): إذا أفرحته، فـ (بَشِرَ (١)، يَبْشَرُ): إذا فرِحَ.
وقال ابن الأعرابي (٢): (بَشِرتُ بكذا، وأبْشَرْتُ به) أي: فرحت (٣)، ومنه قوله تعالى: وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ [فصلت: ٣٠].
وقوله تعالى: بِيَحْيَى. (يحيى) (٤)، لا ينصرف، عَربيّاً كان، أو عجمِيًّا (٥): لأنه إن كان عجميَّا: فقد اجتمع فيه العُجْمةُ والتعريف، وإن كان عربيًّا: لا (٦) ينصرف؛ لِشِبهه (٧) بالفعل، وأنه معرفة.
قال المفسرون: سمَّاه الله تعالى بهذا الاسم قبل مولده (٨).
قال الحسين (٩) بن الفضل (١٠): إنَّما سُمِّيَ
(١) في (أ): (فبَشُرَ) وهو موافق لما في "معاني القرآن". وما أثبتُّه يوافق ما في "تهذيب اللغة"، "اللسان" وبقية مصادر اللغة، ولم أعثر على (بَشُرَ) في معاجم اللغة.
(٢) قوله في "تهذيب اللغة" ١/ ٣٣٨، وهو ما أشار إليه المؤلف سابقًا.
(٣) نقله المؤلف باختصار، ونصه: (يقال: (بَشَرْتُهُ، وبَشَّرْتُهُ، وبَشِرْتُهُ، وأبْشَرته). قال: (وبَشِرْتُ بكذا، وبَشرْت وأبشرْت): إذا فرحتَ به.
(٤) من قوله: (يحيى..) إلى (.. وأنه معرفة): نقله بتصرف عن "معاني القرآن" للزجَّاج ١/ ٤٠٦.
(٥) في (ج)، و"معاني القرآن": (أعجميا).
(٦) في (ج)، "معاني القرآن": (لم).
(٧) في (د): لتشبيهه.
(٨) انظر: "تفسير الطبري" ٣/ ٢٥٢، "تفسير ابن أبي حاتم" ٢/ ٦٤٢، "النكت والعيون" ١/ ٣٨٩ - ٣٩٠.
(٩) في (ج): (الحسن).
(١٠) قوله في "تفسير الثعلبي" ٣/ ٤٦ أ، وانظر: "مفردات ألفاظ القرآن" للراغب ٢٦٩ - ٢٧٠. وهو: أبو علي، الحسين بن الفضل بن عمير بن كَيْسان البجَلِي، تقدم.
(يَحْيى) (١)، لأن الله [تعالى] (٢) أحياه بالطاعة، حتى لم يَعْصِ، ولم يَهم بمعصية. فمعنى (يحيى): أنه يعيش مطيعاً لله عمره، ألا ترى أنَّ الكافر يُسمَّى (مَيْتاً)؛ قال الله تعالى: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ [الأنعام: ١٢٢]، قيل في تفسيره: ضالاً فهديناه (٣).
وقوله تعالى: مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ. نصب على الحال؛ لأنه نكرة، و (يَحيى) معرفة.
قال ابن عباس (٤): يريد: مُصدِّقاً بعيسى أنه روح الله، وكلمته.
وسُمِّيَ (عيسى) كلمةُ الله؛ لأنه حدث عند قوله: كُن، فوقع عليه اسم (الكلمة)؛ لأنه بها كان.
قال المفسرون: وكان (يحيى) أول من آمن بـ (عيسى) عليهما السلام، وصدَّقه، وكان (يحيى) أكبر من (عيسى) (٥).
(٢) ما بين المعقوفين زيادة من (د).
(٣) وهذا قول: ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدِّي، وابن زيد، وعكرمة، وغيرهم. انظر: "تفسير الطبري" ٨/ ٢١ - ٢٤، "الدر المنثور" ٣/ ٨١.
(٤) الأثر عنه في "تفسير الطبري" ٣/ ٢٥٣، "تفسير ابن أبي حاتم" ٢/ ٦٥١، "تفسير ابن كثير" ١/ ٣٨٧، "الدر المنثور" ٢/ ٣٨، ونسب إخراجه كذلك للفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر. وهو قول مجاهد، والرقاشي، وقتادة، والربيع، والسدي، والضحاك. انظر المصادر السابقة.
وذهب أبو عبيدة في "مجاز القرآن" ١/ ٩١ إلى أن (كلمة الله): كتاب الله، كما تقول العرب للرجل: (أنشدني كلمة كذا وكذا)؛ أي: قصيدة فلان، وإن طالت. وأنكر عليه الطبري ذلك إنكارًا شديدًا، وردَّه انظر: "تفسير الطبري" ٣/ ٢٥٤.
(٥) قال به ابن عباس، والربيع، والضحاك. انظر: "تفسير الطبري" ٣/ ٢٥٠ - ٢٥٣، "تفسير الثعلبي" ٣/ ٤٦ ب.
قوله تعالى: وَسَيِّدًا. (السَّيِّد) من باب: (الصَّيِّب)، و (المَيِّت). وقد ذكرنا ما فيهما (١). ويقال (٢): (سادَ فلانٌ قومَه، يَسُودُهم، سُؤْدَداً، وسِيادَةً): إذا صار رئيسهم (٣).
قال أبو (٤) إسحاق (٥): (السيِّد): الذي يفوق في الخير قومَه.
وقال بعض أهل اللغة: (السيد): المالك الذي (٦) يجب (٧) طاعته؛ ولهذا يقال: (سيِّد الغلام)، ولا يقال: سيِّد الثوب.
سَلَمَة (٨) عن الفرَّاء (٩): (السيِّد): المالك (١٠)، و (السيِّد): الرئيس، و (السيِّد): الحليم، و (السيِّد): السَّخي، و (السيِّد): الزوج، ومنه قوله:
(٢) (ويقال): ساقطة من (ج).
(٣) وفي لغة طيىء: (سُؤْود) بضم الدال، وورد من مصادره: (سَيْدُودَة). انظر (سود) في: العين، للخليل: ٧/ ٢٨١، "الصحاح" ٢/ ٤٩٠، "اللسان" ٤/ ٢١٤٤.
(٤) في (ب): ابن.
(٥) في "معاني القرآن" له: ١/ ٤٠٦.
(٦) من قوله: (الذي..) إلى (.. والسيد الرئيس): ساقط من (د).
(٧) في (ج): (تجب).
(٨) هو: أبو محمد، سَلَمَة بن عاصم. تقدم.
(٩) قوله في "تهذيب اللغة" ١٣/ ٣٥.
(١٠) في "التهذيب" "اللسان" (سود): الملك.
وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا [يوسف: ٢٥]، [أي: زوجها] (١).
وقال أبو خيرة (٢): سُمِّيَ (سَيِّدا)، لأنه يَسُودُ سَوادَ الناسِ، أي: عُظْمَهم (٣). هذا قول أهل اللغة في معنى (السيِّد).
فأما أهل (٤) التفسير: فقال ابن عباس (٥): السَّيِّد: الكريم على رَبِّهِ عز وجل. وقال قتادة (٦): السيِّد، هو: العابد، الورع، الحليم. وقال عِكرمَة (٧): السيد: الذي لا يغلبه غضبُهْ.
(٢) في (د): أبو حيوة. وقوله في "تهذيب اللغة" ٢/ ١٥٩٠، "اللسان" ٤/ ٢١٤٤ - ٢١٤٥. وأبو خيرة، هو: نهشل بن زيد البصري. أعرابي بَدَوي من بني عَدِيّ، دخل الحاضرة، وأخذ عنه الناس، وصنف في الغريب كتبا. انظر: "الفهرست" ص ٧٢، "إنباه الرواة" ٤/ ١١٧، "معجم الأدباء" ١٩/ ٢٤٣، "بغية الوعاة" ٢/ ٣١٧.
(٣) في "تهذيب اللغة" معظمهم. و (عُظْمهم): أكثرهم، ومعظمهم. انظر: "الصحاح" ٥/ ١٩٨٧ (عظم).
(٤) (أهل): ساقطة من: (ب).
(٥) لم أهتد إلى مصدر قوله، وقد أورده ابن الجوزي في "الزاد" ١/ ٣٨٣، وهو قول مجاهد، والرقاشي. انظر: "تفسير الطبري" ٣/ ٢٥٤، "ابن أبي حاتم" ٢/ ٦٤٣، "البغوي" ٢/ ٣٤، "الدر المنثور" ٢/ ٣٨ أورده عن مجاهد ونسب إخراجه كذلك إلى عبد بن حميد. والوارد عن ابن عباس، تفسيره بـ (الحليم النقي)؛ كما في "تفسير الطبري" ٣/ ٢٥٤، "ابن أبي حاتم" ٢/ ٦٤٢، "زاد المسير" ١/ ٣٨٣، "الدر المنثور" ٢/ ٣٩، ونسب إخراجه كذلك لعبد الرزاق، وابن المنذر، وابن عساكر.
(٦) قوله في "تفسير الطبري" ٣/ ٢٥٤، "تفسير ابن أبي حاتم" ٢/ ٦٤٢، "تهذيب اللغة" ٢/ ١٥٩٠، "تفسير الثعلبي" ٣/ ٤٧ أ، "تفسير البغوي" ٢/ ٣٤.
(٧) قوله في "تفسير الطبري" ٣/ ٢٥٥، "ابن أبي حاتم" ٢/ ٦٤٢، "تهذيب اللغة" ٢/ ١٥٩٠، "الدر المنثور" ٢/ ٣٩، وزاد نسبته لابن أبي الدنيا في "ذم الغضب".
وقوله تعالى: وَحَصُورًا (الحَصْرُ) في اللغة: الحَبْسُ (١). يقال: (حَصَرَه، يَحْصُرُه، حَصْراً). و (حُصِرَ الرجلُ): إذا اعتُقِل بطنه (٢)، و (حَصرَ (٣) الرجلُ عن النساء)، فهو (حَصُورٌ).
والحَصُورُ: الضَّيِّقُ (٤)، البخيل، الذي يمنع مالَهُ، فلا يُخرِجُ مع النَّدامى (٥) شيئاً للشراب (٦)، ومنه:
لا بالحَصُورِ ولا فيها بِسَوَّارِ (٧)
(٢) في "الصحاح" (والحُصْرُ بالضم: اعتقال البطن، تقول فيه: (حُصِرَ الرجل)، وَ (أُحْصِرَ)، على ما لم يُسمَّ فاعِلُه) ٢/ ٣٦٢ (حصر).
(٣) ورد ضبطها في "تهذيب اللغة" (حُصِرَ)، حيث قال: (ورجل حَصُورٌ: إذا حُصِرَ عن النساء..) ١/ ٨٣٨، وانظر ١/ ٨٣٩، وكذا ورد في "اللسان" ٢/ ٨٩٦ (حصر). ولكن ورد في "الصحاح" (وكل من امتنع عن شيء، فلم يقدر عليه، فقد حَصِرَ عنه، ولهذا قيِل: (حَصِرَ في القراءة)، و (حَصِرَ عن أهله) ٢/ ٦٣١ (حصر).
(٤) من قوله: (الضيق..) إلى (.. ولا فيها بسوار): ساقط من: (ب).
(٥) النَّدامى هنا: هم الذي يجتمعون على الشراب، وهذا هو الأصل فيها، ثم استعملت في كل اجتماع للمسامرة. يقال: (نادمه على الشراب، مُنادمة، ونِدامًا). والمفرد: نَدِيم، ونَدْمان. والجمع: نَدامى، ونُدَماء، ونِدام. انظر (ندم) في "أساس البلاغة" ٢/ ٤٣٢، "التاج" ١٧/ ٦٨٣.
(٦) انظر: "التهذيب" ١/ ٨٣٨ (حصر). وقال ابن سيده في: "المخصص": ١٤/ ٢٥: (والحَصير.. الذي لا يشرب مع القوم لبخله، وهو الحَصور)، وكذا ورد في "مجالس ثعلب" ٥٠٩.
(٧) قوله: (فيها بسوار): بياض في: (د). وهذا عجز بيت وصدره:
وشاربٍ مُربح بالكأس نادمني
و (الحَصور)، و (الحَصِرُ) أيضاً: الذي يكتم السِّرَّ، ويحبسه في نفسه.
قال جرير:
ولقَدْ تَسَقَطني الوُشاةُ فصادفوا... حَصِرًا بِسِرِّكِ (١) يا أمَيْمَ ضَنينا (٢)
(١) في (ج)، (د): (يسرك).
(٢) في نسخة (ب) دمج بيت الأخطل مع بيت جرير، كالتالي:
لا بالحصر ولا عنها بسوار... بسرك يا أميم ضنينا
وقد ورد بيت جرير، في "ديوانه": ٤٧٦. كما ورد منسوبًا له في: "مجاز القرآن" ١/ ٩٢، "تفسير الطبري" ٣/ ٢٥٥، "معاني القرآن" للزجَّاج١/ ٤٠٧، "تهذيب اللغة" ١/ ٨٣٩، "معجم مقاييس اللغة" ٢/ ٧٣، "تفسير الثعلبي" ٣/ ٤٨ أ، =
قال ابن قتيبة (١): الحَصُور: الذي لا يأتي النساء، وهو (فَعُولٌ) بمعنى: (مفعول)؛ كأنه (٢) محصور عنهن، أي: مأخوذ (٣)، محبوس (٤)، ومثله: (رَكوب)، بمعنى: مَرْكُوب (٥)، و (حَلوب)، بمعنى: مَحْلُوب (٦). ويجوز أن يكون (فَعُولاً) بمعنى: (فاعل)؛ يعني: أنه حَصَرَ نفسه عن الشهوات.
وجميع المفسرين: على أن (الحَصُور) ههنا: الذي لا يأتي النساءَ، ولا يقربهن (٧).
(١) في "تفسير غريب القرآن" له ٩٩، نقله مع اختصار قليل.
(٢) في (ج): (فكأنه)، وفي (د): (وكأنه).
(٣) في (د): (أحود).
(٤) قال ابن قتيبة بعدها: (وأصل الحصر: الحبس).
(٥) (بمعنى مركوب): ساقط من: (ج) (د).
(٦) انظر: "معاني القرآن" للنحاس ١/ ٣٩٤.
(٧) وهو قول: ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وابن جبير، وقتادة، وعطاء، وأبي الشعثاء، والحسن، والسدي، وابن زيد، وعطية العوفي انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" ٢/ ٦٤٣، ٦٤٤، "تفسير الثعلبي" ٣/ ٤٨ أ، "تفسير ابن كثير" ١/ ٣٨٧، "تفسير القرطبي" ٤/ ٧٨.
قال ابن عباس: هو الذي لا يجامع النساءَ، إنما له فَرْجٌ كفَرْجِ الصَّبِيِّ الصغير (١) وقال سعيد بن المُسَيِّب (٢): هو العِنِّين.
وروي عن النبي - ﷺ -، أنه ذكر يحيى بن زكريا ثم أهوى بيده إلى قَذَاةٍ (٣) من الأرض فأخذها، وقال: "كان ذَكَرُهُ مثلَ هذه القذاةِ" (٤).
(٢) قوله في "تفسير الطبري" ٣/ ٢٥٥، "تفسير الثعلبي" ٣/ ٤٨ أ. وقد تقدمت ترجمته.
(٣) القذاة: هي الشيء الصغير جدًّا، مما يقع على العين والماء والشراب؛ من تراب، أو تُبْن، أو وسخ، أو غير ذلك. وجمعها: (قَذُى)، وجمع الجمع: (أقْذاء). انظر: "اللسان" ٦/ ٣٥٦٢ (قذى).
(٤) الحديث: أخرجه الطبري في "تفسيره" ٣/ ٢٥٥، بسنده عن سعيد بن المسيب، عن ابن العاص إما عبد الله أو أبيه، من طرق مختلفة، مرفوعًا وموقوفًا، وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" ٢/ ٦٤٣ عن ابن المسيب عن ابن العاص مرفوعًا وموقوفًا، وأخرجه الحاكم في "المستدرك" ٢/ ٣٧٣، وقال: (صحيح على شرط مسلم)، ووافقه الذهبي، وأورد ابن كثير في "تفسيره" ١/ ٣٨٧ رواية ابن أبي حاتم المرفوعة والموقوفة، وقال عن المرفوعة: إنها غريبة جدًّا، وقال عن الموقوفة: (فهذا موقوف، أصح إسنادًا من المرفوع)، وقال: (رواه ابن المنذر في "تفسيره" من طريق آخر عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو بن العاص). وأخرجه ابن أبي حاتم والثعلبي في تفسيريهما عن أبي هريرة مرفوعًا. انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" ٢/ ٦٤٣، "تفسير الثعلبي" ٣/ ٤٨ أ. وأورده السيوطي في "الدر" ٢/ ٣٩، ونسب إخراجه كذلك إلى ابن المنذر وابن عساكر، وقال: (وأخرجه ابن أبي شيبة، وأحمد في: "الزهد" وابن أبي حاتم، وابن عساكر، عن أبي هريرة من وجه آخر عن ابن عمرو، موقوفًا، وهو أقوى إسنادًا من المرفوع). وقد نقل ابن كثير بعد أن أورد بعضًا من هذه الآثار قولَ القاضي عياض حولها، ونصه كما في (الشفاء): (فاعلم أن ثناء الله تعالى على يحيى بأنه حصُورٌ، ليس كما قال بعضهم: إنه كان =
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي