٩٧- قال الشافعي : قال الله تعالى : وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمُ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمُ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ إلى قوله : يَخْتَصِمُونَ وقال الله عز وجل : وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ اَلْمُرْسَلِينَ إِذَ اَبَقَ إِلَى اَلْفُلْكِ اِلْمَشْحُونِ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ اَلْمُدْحَضِينَ (١).
قال الشافعي رحمه الله تعالى : فأصل القرعة في كتاب الله عز وجل في قصة المقترعين على مريم، والمقارعي يونس مجتمعة، فلا تكون القرعة ـ والله أعلم ـ إلا بين قوم مستوين في الحجة. ولا يعدوا ـ والله تعالى أعلم ـ المقترعون على مريم أن يكونوا، كانوا سواء في كفالتها فتنافسوها، فلما كان أن تكون عند واحد منهم أرفق بها، لأنها لو صيرت عند كل واحد منهم يوما، أو أكثر، وعند غيره مثل ذلك، كان أشبه أن يكون أضرَّ بها، من قِبَل أن الكافل إذا كان واحدا كان أعطف له عليها وأعلم بما فيه مصلحتها للعلم بأخلاقها، وما تقبل وما ترد، وما يحسن به اغتذاؤها.
فكل من اعتنف(٢) كفالتها كفلها غير خابر بما يصلحها، ولعله لا يقع على صلاحها حتى تصير إلى غيره، فيعتنف من كفالتها ما اعتنف غيره. وله وجه آخر يصح، وذلك أن ولاية واحد إذا كانت صبية غير ممتنعة مما يمتنع منه من عقل يستر ما ينبغي ستره، كان أكرم لها، وأسْتَرُ عليها أن يكفلها واحد دون الجماعة.
قال : ويجوز أن تكون عند كافل، ويغرم من بقي مؤنتها بالحصص، كما تكون الصبية عند خالتها وعند أمها، ومؤنتها على من عليه مؤنتها.
قال : ولا يعدوا الذين اقترعوا على كفالة مريم أن يكونوا تشاحوا على كفالتها. وهو أشبه ـ والله تعالى أعلم ـ أو يكونوا تدافعوا كفالتها، فاقترعوا أيهم تلزمه فإذا رضي من شح على كفالتها أن يمونها، لم يكلف غيره أن يعطيه من مؤنتها شيئا برضاه بالتطوع بإخراج ذلك من ماله.
قال : وأي المعنيين كان، فالقرعة تلزم أحدهم ما يدفع عن نفسه، وتخلص له ما يرغب فيه لنفسه، وتقطع ذلك عن غيره ممن هو في مثل حاله.
قال : وهذا معنى قرعة يونس صلى الله عليه وسلم لما وقفت بهم السفينة فقالوا : ما يمنعها من أن تجري إلا علة بها، وما علتها إلا ذو ذنب فيها، فتعالوا نقترع، فاقترعوا، فوقعت القرعة على يونس عليه السلام فأخرجوه منها، وأقاموا فيها(٣). وهذا مثل معنى القرعة في الذين اقترعوا على كفالة مريم، لأن حال الركبان كانت مستوية، وإن لم يكن في هذا حكم يلزم أحدهم في ماله شيئا لم يلزمه قبل القرعة، ويزيل عن آخر شيئا كان يلزمه، فهو يلبث على بعض حقا، ويبين في بعض أنه برئ منه، كما كان في الذين اقترعوا على كفالة مريم غرم وسقوط غرم.
قال الشافعي رحمه الله تعالى : وقرعة النبي صلى الله عليه وسلم في كل موضع أقرع فيه في مثل معنى الذين اقترعوا على كفالة مريم سواء لا يخالفه. وذلك أنه أقرع بين مماليك أعتقوا معا، فجعل العتق تاما لثلثهم، وأسقط عن ثلثيهم بالقرعة(٤). وذلك أن المعتق في مرضه أعتق ماله ومال غيره، فجاز عتقه في ماله، ولم يجز في مال غيره، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم العتق في ثلثه ولم يبعضه، كما يجمع القسمين أهل المواريث ولا يبعض عليهم.
وكذلك كان إقراعه لنسائه أن يقسم لكل واحدة منهن في الحضر. فلما كان السفر كان منزلة يضيق فيها الخروج بكلهن، فأقرع بينهن فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، وسقط حق غيرها في غيبته بها. فإذا حضر عاد للقسم لغيرها، ولم يحسب عليها أيام سفرها(٥).
وكذلك قسم خيبر(٦)، فكان أربعة أخماسها لمن حضر، ثم أقرع، فأيهم خرج سهمه على جزء مجتمع كان له بكماله، وانقطع منه حق غيره، وانقطع حقه عن غيره. ( الأم : ٨/٣-٤. ون الأم : ٥/١١١. وأحكام الشافعي : ٢/١٥٧-١٦٣. والسنن الكبرى. ١٠/٢٨٦. )
٢ - اعْتَنَفْتُ الشيء: كرهته ووجدت له علي مشقة. وقيل: إذا أخذته أو أتيته غير حاذق به ولا عالم. اللسان: عنف..
٣ - ن تفسير ابن جرير ١٠/٥٢٦..
٤ - سبق تخريجه. ن تفسير الآية ١٨٠ من سورة البقرة..
٥ - روى أبو داود في النكاح (٦) باب: في القسم بين النساء (٣٩)(ر٢١٣٨) عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، وكان يقسم لكل امرأة منهن يومها ليلتها، غير أن سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة.
ورواه البخاري في النكاح (٧٠) باب: القرعة بين النساء إذا أراد سفرا (٩٦) (ر٤٩١٣) بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج أقرع بين نسائه، فطارت القرعة لعائشة وحفصة.. الحديث.
ورواه مسلم في فضائل الصحابة (٤٤) باب: في فضل عائشة (١٣) (ر٢٤٤٥).
ورواه ابن ماجة في النكاح (٩) باب: القسمة بين النساء (٤٧) (ر١٩٧٠)..
٦ - روى أبو داود في الخراج والإمارة والفيء (١٤) باب: ما جاء في حكم أرض خيبر (٢٤) (ر٣٠١٥) عن مجمع بن جارية الأنصاري ـ وكان أحد القراء الذين قرأوا القرآن. قال: قسمت خيبر على أهل الحديبية، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثمانية عشر سهما، وكان الجيش ألفا وخمسمائة فيهم ثلاثمائة فارس، فأعطى الفارس سهمين وأعطى الراجل سهما. ورواه كذلك في الجهاد (٩) باب: فيمن أسهم له سهما (١٥٥) (ر٢٧٣٦).
ورواه البخاري في المغازي (٦٧) باب: غزوة خيبر (٣٦) (ر٣٩٨٨).
ورواه البيهقي في قسم الفيء والغنيمة باب: ما جاء في سهم الراجل والفارس ٦/٣٢٥..
تفسير الشافعي
الشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي