ﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁ

قَوْله تَعَالَى: إِذْ قَالَ الله يَا عِيسَى إِنِّي متوفيك أَي: وَاذْكُر قَول الله لعيسى: إِنِّي متوفيك ورافعك إِلَيّ. فَإِن قَالَ قَائِل: مَا معنى التوفي، وَعِيسَى فِي الْأَحْيَاء

صفحة رقم 323

كفرُوا وجاعل الَّذين اتبعوك فَوق الَّذين كفرُوا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ثمَّ إِلَيّ مرجعكم فأحكم
على زعمكم؟ قُلْنَا: فِيهِ أَقْوَال، قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: مَعْنَاهُ: إِنِّي قابضك من الأَرْض، وَهُوَ صَحِيح عِنْد أهل اللُّغَة، فَيُقَال: توفيت حَقي من فلَان. أَي: قبضت.
قَالَ الازهري: كَأَنَّهُ يَقُول: إِنِّي متوفى عدد آبَائِك فِي الأَرْض، وكل شَيْء تمّ فَهُوَ متوفى، ومستوفى، وَقَالَ الْفراء: فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير، وَتَقْدِيره: إِنِّي رافعك إِلَى ومتوفيك " أَي: بعد النُّزُول من السَّمَاء.
وَقد ثَبت عَن رَسُول الله أَنه قَالَ: " ليهبطن عِيسَى بن مَرْيَم حكما مقسطا يكسر الصَّلِيب وَيقتل الْخِنْزِير "، وَفِي رِوَايَة: " أَنه يقتل الدَّجَّال بِبَاب لد " من دمشق، وَفِي الْأَخْبَار: أَنه يعِيش بعد ذَلِك فِي الأَرْض سبع سِنِين، ويتزوج، ويولد لَهُ. ثمَّ يَمُوت، ويصلوا عَلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ من هَذِه الْأمة.
وَهَذَا التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير الَّذِي ذكرنَا فِي الْآيَة محكى عَن ابْن عَبَّاس وَله قَول آخر: أَن الْآيَة على حَقِيقَة الْمَوْت، وَأَن عِيسَى قد مَاتَ، ثمَّ أَحْيَاهُ الله تَعَالَى وَرَفعه إِلَى السَّمَاء.
قَالَ وهب بن مُنَبّه: أَمَاتَهُ الله ثَلَاث سَاعَات من النَّهَار، ثمَّ أَحْيَاهُ الله، وَرَفعه إِلَيْهِ، وَقَالَ الرّبيع ابْن أنس: التوفي: هُوَ النّوم، وَكَانَ عِيسَى قد نَام، فرفعه الله نَائِما إِلَى السَّمَاء، وَالْمَعْرُوف: الْقَوْلَانِ الْأَوَّلَانِ.
وَقد روى عَن رَسُول الله أَنه قَالَ: " رَأَيْت ابْني الْخَالَة: عِيسَى، وَيحيى فِي السَّمَاء الثَّانِيَة لَيْلَة الْمِعْرَاج "، وروى أَيْضا: " أَنه رآهما فِي السَّمَاء الدُّنْيَا " وَالْأول

صفحة رقم 324

بَيْنكُم فِيمَا كُنْتُم فِيهِ تختلفون (٥٥) فَأَما الَّذين كفرُوا فأعذبهم عذَابا شَدِيدا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَمَا لَهُم من ناصرين (٥٦) وَأما الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات فيوفيهم
أصح، وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: " رَأَيْت الْمَسِيح بن مَرْيَم يطوف بِالْبَيْتِ " فَدلَّ على أَن الصَّحِيح أَنه فِي الْأَحْيَاء، وَفِي أَخْبَار الْمِعْرَاج: " أَن النَّبِي لقى آدم فِي السَّمَاء الأولى وَعِيسَى فِي السَّمَاء الثَّانِيَة ويوسف فِي السَّمَاء الثَّالِثَة، وَإِدْرِيس فِي السَّمَاء الرَّابِعَة وَهَارُون فِي السَّمَاء الْخَامِسَة ومُوسَى فِي السَّمَاء السَّادِسَة، - وَفِي رِوَايَة السَّمَاء السَّابِعَة - وَإِبْرَاهِيم فِي السَّمَاء السَّابِعَة ".
قَوْله: ومطهرك من الَّذين كفرُوا أَي: مخرجك من أرجاسهم وأنجاسهم، وجاعل الَّذين اتبعوك فَوق الَّذين كفرُوا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.
وَقيل: أَرَادَ بِهِ النَّصَارَى، وهم فَوق الْيَهُود إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَالْيَهُود أذلّ الْفَرِيقَيْنِ؛ قد ذهب ملكهم، فَلَا يعود أبدا، وَملك النَّصَارَى دَائِم إِلَى قريب من قيام السَّاعَة، وَقيل: أَرَادَ بالذين اتَّبعُوهُ: أمة مُحَمَّد؛ حَيْثُ صدقوه ووافقوه على دين التَّوْحِيد، فهم فَوق الَّذين كفرُوا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.
وَفِيه قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنهم فَوْقهم بِالْحجَّةِ.
وَالثَّانِي: بالعز وَالْغَلَبَة، وَقد قَالَ: " أَنا أولى بِعِيسَى بن مَرْيَم، لَيْسَ بيني وَبَينه نَبِي ".
ثمَّ إِلَى مرجعكم فأحكم بَيْنكُم فِيمَا كُنْتُم فِيهِ تختلفون.

صفحة رقم 325

تفسير السمعاني

عرض الكتاب
المؤلف

أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي السمعاني الشافعي

تحقيق

ياسر بن إبراهيم

الناشر دار الوطن، الرياض - السعودية
سنة النشر 1418 - 1997
الطبعة الأولى، 1418ه- 1997م
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية