٢٥٤- إن الذين اتبعوه ليسوا النصارى الذين اعتقدوا فيه أنه ابن الله، وسلكوا مسلك المتأخرين، فإن اتباع الإنسان موافقته فيما جاء به. وكون هؤلاء المتأخرين اتبعوه محل نزاع. بل متبوعوه هم الحواريون، ومن تابعهم قبل ظهور القول بالتثليث، وأولئك هم الذين رفعهم الله في الدنيا والآخرة. ونحن منهم وهم منا، ونحن إنما نطلب هؤلاء بالرجوع إلى ما كان عليه أولئك، فإنهم قدس الله أرواحهم، آمنوا بعيسى وبجملة النبيين صلوات الله عليهم أجمعين.
وكان عيسى عليه السلام بشرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، فكانوا ينتظرون ظهوره ليؤمنوا به عليه السلام، وكذلك لما ظهر عليه السلام جاءه أربعون راهبا من نجران، فتأملوه، فوجدوه هو الموعود به، فهؤلاء هم الذين اتبعوه، وهم المرفوعون المعظمون. وأما هؤلاء النصارى فهم الذين كفروا به مع من كفر١ وجعلوه سببا لانتهاك حرمة الربوبية، بنسبة واجب الوجود المقدس عن صفات البشر إلى الصاحبة والولد٢، الذي ينفر منها أقل رهبانهم، حتى أنه قد ورد أن الله تعالى إذا قال لعيسى عليه السلام يوم القيامة : أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ٣ يسكت أربعين سنة خجلا من الله تعالى حيث جعل سببا للكفر به وانتهاك حرمة جلاله٤.
فخواص الله تعالى يألمون ويخجلون من اطلاعهم على انتهاك حرمة الله تعالى وإن لم يكن لهم فيها مدخل ولا لهم فيها تعلق. ( الأجوبة الفاخرة : ٩١ إلى ٩٣ )
٢ - لعله يشير إلى قوله تعالى :وقالت اليهود عزير بن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله التوبة : ٣١..
٣ - سورة المائدة : ١١٦..
٤ - لم أعثر على هذه الرواية فيما اطلعت عليه من التفاسير..
جهود القرافي في التفسير
أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي