وقوله تعالى: وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ. أي: أفضل المُجازين بالسيِّئَة العقوبة.
٥٥ - قوله تعالى: إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى. الآية. العامل في (إذ): قوله: وَمَكَرَ اللَّهُ (١).
واختلف أهل التأويل في هذه الآية على طريقين: أحدهما: إجراء الآية (٢) على سياقها من غير تقديم ولا تأخير. وهو قول الحسن (٣)، والكلبي (٤)، وابن جُريج (٥)، وابن زيد (٦)، ومَطَر (٧)، قالوا: معنى
(١) أي إنها منصوبة بقوله: وَمَكَرَ اللَّهُ أي ت ومكر الله بهم في هذا الوقت. وقيِل: إن الناصب لها، قوله: خَيْرُ الْمَاكِرِينَ. وقيل: إن الناصب لها، فعل مقدَّر، هو: (اذكر). انظر تفسير "الكشاف" ١/ ٤٣٢، "غرائب القرآن" ٣/ ٢٠٣، "الدر المصون" ٣/ ٢١٣.
(٢) في (ج): (الإجراء).
(٣) قوله في "تفسير الطبري" ٣/ ٢٨٩ - ٢٩٠، "تفسير ابن أبي حاتم" ٢/ ٦٦١، "تفسير الثعلبي" ٣/ ٥٨ ب، "النكت والعيون" ١/ ٣٩٧، "تفسير البغوي" ٢/ ٤٥، "زاد المسير" ١/ ٣٩٦، وأورده السيوطي في "الدر" ٢/ ٦٤.
(٤) قوله في "تفسير الثعلبي" ٣/ ٥٨ ب، "تفسير البغوي" ٢/ ٤٥.
(٥) قوله في "تفسير الطبري" ٣/ ٢٩٠، "تفسير الثعلبي" ٣/ ٥٨ ب، "النكت والعيون" ١/ ٣٩٧، "تفسير البغوي" ٢/ ٤٥، "زاد المسير" ١/ ٣٩٦.
(٦) قوله في "تفسير الطبري" ٣/ ٢٩٠، "تفسير الثعلبي" ٣/ ٥٨ ب، "النكت والعيون" ١/ ٣٩٧.
(٧) قوله في "تفسير الطبري" ٣/ ٢٩٠، "معاني القرآن" للنحاس ١/ ٤١٠، "تفسير الثعلبي" ٣/ ٥٨ ب، "تفسير ابن كثير" ١/ ٣٩٣. ومطر، هو: ابن طَهْمان الوَرّاق،=
مُتَوَفِّيكَ: قابضك من غير موت. و (التَّوَفِّي): أخذُ الشيء وافيًا (١). وقد ذكرنا هذا فيما تقدم (٢).
يدل على هذا القول: قوله: فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي [المائدة: ١١٧]، أي: قبضتني إلى السماء (٣).
فعلى هذا، معنى قوله: مُتَوَفِّيكَ: قابضك وافيا، لم ينالوا منك شيئًا (٤).
وقال (٥) الربيع (٦): معناه: متوفيك وفاة نومٍ (٧)، للرفع (٨) إلى السماء،
(١) انظر (مادة: وفى) في "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٩٢٤ - ٣٩٢٥، "مفردات ألفاظ القرآن" للراغب: ٨٧٨، "التاج" ٢٠/ ٣٠٠.
(٢) انظر: "تفسير البسيط" للمؤلف: ٣/ ٨٠٤ - ٨٠٥، وانظر في موضع آخر عند تفسير آية: ٢٨١ من البقرة.
(٣) انظر: "تفسير الطبري" ٧/ ١٣٩، "أبي السعود" ٣/ ١٠١، "البيضاوي" (٦٨).
(٤) وهذا الذي رجحه الطبري في "تفسيره" ٣/ ٢٨٩ - ٢٩٠، حيث قال: (وأولى هذه الأقوال بالصحة عندنا، قول من قال: (معنى ذلك: أني قابضك من الأرض، ورافعك إليَّ)؛ لتواتر الأخبار عن رسول الله - ﷺ -، أنه قال: (ينزل عيسى بن مريم فيقتل الدجال، ثم يمكث في الأرض مدَّة ذكرها، اختلفت الرواية في مبلغها، ثم يموت، فيصلي عليه المسلمون ويدفنونه" ثم ذكر ابن جرير روايات في ذلك.
(٥) في (ج): (قال).
(٦) قوله في "تفسير الطبري" ٣/ ٢٨٩، "معاني القرآن" للنحاس ١/ ٤٠٩، والنكت العيون: ١/ ٣٩٧، "تفسير البغوي" ٢/ ٤٥، "تفسير ابن كثير" ١/ ٣٩٣.
(٧) (نوم): ساقطة من: (ج). وقد وردت في جميع النسخ (يوم) بدلًا من: (نوم)، وما أثبتُّه هو الصواب؛ لأن المقصود بها أن الله رفعه إليه بعد أن نام، وقد سمَّى الله النوم وفاة، كما جاء في الدليل بعدها، وهو ما تدل عليه روايات الأثر في مصادره المذكورة سابقًا.
(٨) في (د): (الرفع).
يدلُّ عليه: قوله: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ [الأنعام: ٦٠]. قال ابن عباس في رواية الوالبي (١): معناه: إنِّي مميتك. ووجه هذا القول؛ ما قال وهبٌ (٢): توفَّى اللهُ عيسى ثلاثَ ساعات من النهار، ثمَّ أحياه، ورفعه إليه (٣).
وقال الواسطي (٤): معناه: إنِّي متوفيك عن شهواتك و [عن] (٥) حظوظ
(٢) قوله في "تفسير الطبري" ٣/ ٢٩٠، "تفسير ابن أبي حاتم" ٢/ ٦٦١، "مستدرك الحاكم" ٢/ ٥٩٦، "تفسير الثعلبي" ٣/ ٥٨ ب، "تفسير البغوي" ٢/ ٤٥، "المحرر الوجيز" ٣/ ١٤٣، "تفسير ابن كثير" ١/ ٣٩٣.
(٣) أخرج الحاكم عن وهب، قوله: (توفى الله عيسى ثلاث ساعات من نهار، ثم رفعه إليه، والنصارى تزعم أنه توفاه سبع ساعات من النهار، ثم أحياه..). وقال الذهبي عن هذه الرواية: (رواه عبد المنعم بن إدريس عن أبيه عنه، قلت: وعبد المنعم، ساقط). "المستدرك" ٢/ ٥٩٦، كتاب: تواريخ المتقدمين. وأورد السيوطي عن وَهْب، قوله: (أماته الله ثلاثة أيام، ثم بعثه ورفعه). "الدر المنثور" ٢/ ٦٤، ونسب إخراجه لابن عساكر. قال الطبري رادًا على من قال بأن الله أماته في الدنيا ثم رفعه: (ومعلوم أنه لو كان قد أماته الله عز وجل، لم يكن بالذي يميته مِيتةً أخرى، فيجمع عليه ميتتين، لأن الله عز وجل إنما أخبر عباده أنه يخلقهم ثم يميتهم ثم يحيهم..). تفسيره: ٣/ ٢٩٢.
(٤) قوله في "تفسير الثعلبي" ٣/ ٥٩ ب. وسماه الثعلبي: (أبو بكر الواسطي). وهو: أبو بكر، يوسف بن يعقوب بن الحسين الأصم، الواسطي. الإمام المُجوِّد، مقرئ واسط، وإمام جامعها، إمام جليل القدر، ثقة، محقق كبير، توفي سنة (٣١٣ هـ)، وقيل: (٣١٤ هـ). انظر: "تاريخ بغداد" ١٤/ ٣١٩، "معرفة القراء الكبار" ١/ ٢٥٠، "سير أعلام النبلاء" ١٥/ ٢١٨، "غاية النهاية" ٢/ ٤٠٤.
(٥) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).
نفسك؛ وذلك (١) أن عيسى لمَّا رُفع إلى السماء، صارت حالُهُ (٢) كحالِ الملائكةِ (٣) والطريق (٤) الآخر في هذه الآية: أنها على التقديم والتأخير.
قال ابن عباس في رواية عطاء (٥): هذا مقدَّمٌ ومؤخَّرٌ، يريد: إني رافعك إليَّ، ومتوفيك بعد أن أُهبِطك إلى الأرض حتى تكون فيها، وتتزوج، وُيولَد لك، وتكون في أمَّة محمد، ومعهم حتى تموت. (٦) وفي حديث أبي هريرة: أنه يُدفن في حجرة النبي - ﷺ -، فيقوم أبو بكر وعمر يوم القيامة بين رسولين: محمد وعيسى عليهما السلام (٧).
(٢) في (ج): (حالته).
(٣) ورد هذا في "تفسير البغوي" ٢/ ٤٥، عن قتادة بدون سند قال: (ورفعه إليه، وكساه الريش، وألبسه النور، وقطع عنه لذَّة المطعم والمشرب، وطار مع الملائكة، فهو معهم حول العرش..) وقد أورده القرطبي في "تفسيره" ٤/ ١٠٠، عن الضحاك ولم يسنده.
(٤) في (ج): (الطريق) بدون واو.
(٥) لم أقف على مصدر هذه الرواية
(٦) ورد هذا القول عن الضحاك. انظر: "تفسير الثعلبي" ٣/ ٥٩ أ.
(٧) حديث أبي هريرة رضي الله عنه في نزول عيسى عليه السلام، ورد عنه من طرق وألفاظ مختلفة، فقد أخرجه البخاري في "الصحيح" (٣٤٤٨) كتاب الأنبياء، باب: ٤٩، و (٢٤٧٦) كتاب المظالم، باب: ٣١. ومسلم في الصحيح: (انظر: "صحيح مسلم" (١٥٥) كتاب: الإيمان، باب: نزول عيسى بن مريم حاكمًا). والترمذي (٢٢٣٣) كتاب الفتن، باب: ٥٤. وأحمد في "المسند" انظر: "الفتح الرباني" للبنا: ٢٤/ ٨٧، ٨٨ كتاب الفتن أبواب ظهور العلامات الكبرى)، والحاكم في "المستدرك" ٢/ ٥٩٥ كتاب التواريخ، والطبري في "تفسيره" ٣/ ٢٩٢. وقد ورد =
قال الفرَّاء (١): يقال: إنَّ هذا مقَدَّمٌ ومؤَخرٌ؛ المعنى (٢): إني رافعك إليَّ، ومُطَهِّرُكَ من الذين كفروا، ومتوفيك بعد إنزالي إيَّاك إلى (٣) الدنيا.
ومثله من المقدَّم والمؤخر، قوله: أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ [الكهف: ١] (٤)
(١) في "معاني القرآن" له: ١/ ٢١٩. نقله عنه بنصه
(٢) في "معاني القرآن": المعنى فيه.
(٣) في "معاني القرآن": في.
(٤) ويعني المؤلف بالتقديم والتأخير في الآية، على أن معناها. الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب قَيِّما، ولم يجعل له عِوَجًا. وهو مروي عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، واليه ذهب الطبري، والفراء، والزجاج. وقيل: ليس فيه تقديم ولا تأخير، والمعنى: ولم يجعل له عوجا، ولكن جعله قيِّما. وهو مروي عن قتادة. وكذلك ذهب إليه الفخر الرازي، وقال: وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا يدل على كونه كاملًا في ذاته، وقوله قِيَمًا يدل على كونه مكملا لغيره، وكونه كاملًا في ذاته، متقدم بالطبع على كونه مكملًا لغيره، فثبت بالبرهان العقلي أن الترتيب الصحيح =
[الآية] (١)، وقوله: وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (٢).
وقوله تعالى: وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [أي] (٣): و (٤) إلى سمائي ومحل كرامتي. فجعل ذلك رَفْعًا إليه؛ للتفخيم (٥) والتعظيم، ومثله، قوله: إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي [الصافات: ٩٩]، وإنما ذهب إبراهيم عليه السلام من العراق إلى الشام، والتقدير: إلى أمر ربي، لأنه أمره بذلك المكان.
وقوله تعالى: وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا. أي: مُخرِجُك مِن بينهم؛ لأن كونه في جملتهم، بمنزلة التنجيس له بهم.
وقوله تعالى: وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
(١) ما بين المعقوفين زيادة من (د).
(٢) سورة طه: ١٢٩. والمعنى على التقديم والتأخير فيها: ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسَمَّى لكان لزاما.. وهو قول قتادة، وأبي زيد، وأهل التفسير. انظر: "تفسير الطبري" (ط. دار الفكر): ٢٢/ ٢٣٢، "تفسير الفخر الرازي" ٢٢/ ١٣٣، "تفسير البيضاوي" ٢/ ٦٥.
(٣) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج، (د).
(٤) الواو: ساقطة من: (ج)، (د).
(٥) في (ب): (إلى التفخيم).
قال ابن عباس في رواية عطاء (١): يعني بـ (الذين اتَّبعوه): الحواريّين ومن كان على دينهم.
وقال قتادة (٢)، والربيع (٣)، والكلبي (٤)، ومقاتل (٥): هم أهل الإسلام من أمَّة محمد - ﷺ -، اتَّبعوا دين المسيح، وصدَّقوه بأنَّه (٦) رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه. فوالله ما (٧) اتَّبعه من دعاه (٨) ربًّا.
وقوله تعالى: فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا. يحتمل أن يكونوا فوقهم بالبرهان والحُجَّة، ويحتمل بالعِزِّ والغَلَبَةِ.
وقال ابن زيد (٩): وجاعل النصارى فوق اليهود، فاليهود: مُسْتذلُّون
(٢) قوله في "تفسير الطبري" ٣/ ٢٩٢، "تفسير ابن أبي حاتم" ٢/ ٦٦١، "معاني القرآن" للنحاس: ١/ ٤١١، "تفسير الثعلبي" ٣/ ٦٠ أ، "النكت والعيون" ١/ ٣٩٨، "تفسير البغوي" ٢/ ٤٦، "زاد المسير" ١/ ٣٩٧، "الدر المنثور" ٢/ ٦٤ وزاد نسبة إخراجه لعبد بن حميد.
(٣) قوله في "تفسير الطبري" ٣/ ٢٩٢، "تفسير ابن أبي حاتم" ٢/ ٦٦١، "تفسير الثعلبي" ٣/ ٦٠ أ، "النكت والعيون" ١/ ٣٩٨، "تفسير البغوي" ٢/ ٤٦، "زاد المسير" ١/ ٣٧٩.
(٤) قوله في "تفسير الثعلبي" ٣/ ٦٠ أ، "تفسير البغوي" ٢/ ٤٦، "زاد المسير" ١/ ٣٧٩.
(٥) قوله في "تفسيره" ١/ ٢٧٩، "تفسير الثعلبي" ٣/ ٦٠ أ، "تفسير البغوي" ٢/ ٤٦.
(٦) في (ب): (أنه).
(٧) في (ب): (وربما).
(٨) في (د): (ادعاه).
(٩) قوله في "تفسير الطبري" ٣/ ٢٩٢، "تفسير الثعلبي" ٣/ ٦٠ أ، "تفسير ابن عطية" ٣/ ١٤٤، "زاد المسير" ١/ ٣٧٩.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي