ثم ذكر الحق تعالى رفع عيسى إلى السماء فقال :
إِذْ قَالَ اللَّهُ يا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ *
وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * ذالِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ
قلت : إذ قال : ظرف لمقدر، أي : اذكر، أو وقع ذلك إذ قال، أو لمكروا، و متوفيك أي : رافعك إليَّ وافياً تاماً، من قولهم : توفيت كذا واستوفيته : قبضته وافياً تامّاً، أو مميتك عن الشهوات العائقة عن العروج إلى عالم الملكوت، أو منيمك ؛ بدليل قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ [ الأنعَام : ٦٠ ]، رُوِيَ أنه رُفع نائماً، والإجماع على أنه لم يمت، قال تعالى : وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم .
يقول الحقّ جلّ جلاله : اذكر إذ قال الله لعيسى عليه السلام لما أراد رفعه : يا عيسى إني متوفيك ، أي : قابضك إليّ ببدنك تامّاً، ورافعك إليَّ أي : إلى محل كرامتي ومقر ملائكتي، ومطهرك من الذين كفروا أي : من مخالطة دنس كفرهم، وجاعل الذين اتبعوك ؛ ممن صدق بنبوتك من النصارى والمسلمين، وقال قتادة والشعبي والربيع : هم أهل الإسلام. ه. فوالله ما اتبعه من ادعاه ربا، فمن تبع دينه حقّاً جعل
فوق الذين كفروا به من اليهود إلى يوم القيامة ؛ يغلبونهم بالحجة والسيف. وقد حقق الله فيهم هذا الأمر، فإن اليهود لم ترفع لهم راية قط، ولم يتفق لهم ملك ولا دولة إلى زمننا هذا(١).
ثم قال تعالى : ثم إليَّ مرجعكم بالبعث، فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون من أمر الدين وأمر عيسى.
وقال القشيري : الإشارة فيه : إني متوفيك عنك وقابضك منك، ورافعك عن نعوت البشرية، ومطهرك عن إرادتك بالكلية، حتى تكون مصدقاً لنا بنا، ولا يكون لك من اختيارك شيء، وتكون إسبال التولي عليك قائماً، وبهذا الوصف كان يظهر على يده إحياء الموتى، وما كانت تلك الأحداث حاصلة إلا بالقدرة عليه. هـ. وقال الورتجبي : متوفيك عن رسم الحدوثية، ورافعك إليَّ بنعت الربوبية، ومطهرك عن شوائب البشرية. هـ.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي