ﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁ

قوله : إِذْ قَالَ اللَّهُ في ناصبه ثلاثةُ أوجهٍ :
أحدها : قوله : وَمَكَرَ اللَّهُ أي : مكر الله بهم في هذا الوقت.
الثاني : خَيْرُ الْمَاكِرِينَ .
الثالث : أنه " اذكرْ " - مقدَّراً - فيكون مفعولاً به كما تقدم تقريره.
قوله : إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ، فيه وجهان :
أحدهما : وهو الأظهر - أن يكون الكلام على حاله - من غير ادعاء تقديم وتأخير فيه - بمعنى إني مستوفي أجلك ومؤخرك وعاصمك من أن يقتلكَ الكفارُ، إلى أن تموت حتفَ أنفِك - من غير أن تُقتَل بأيدي الكفار - ورافعك إلى سمائي.
الثاني : أن في الكلام تقديماً وتأخيراً، والأصلُ : رافعك إليَّ ومتوفيك ؛ لأنه رُفِعَ إلى السماء، ثم يتوفى بعد ذلك، والواو للجمع، فلا فرق بين التقديمِ والتأخيرِ قاله أبو البقاء.
ولا حاجة إلى ذلك مع إمكان إقرار كل واحد في مكانه مما تقدم من المعنى، إلا أن أبا البقاء حمل التوفي على الموت، وذلك إنما هو بَعْدَ رَفْعِه، ونزوله إلى الأرض، وحُكمِه بِشريعة محمد صلى الله عليه وسلم كما ثبت في الحديثِ. فعلى الأول ففيه وجوهٌ :
أحدها : إني متمم عمرك، وإذا تَمَّ عمرُك فحينئذٍ أتوفَّاك كما قدمناه.
الثاني : إني مُميتُك، والمقصود منه ألا يصل أعداؤه من اليهود إلى قتله. وهو مروي عن ابن عبَّاسٍ ومحمد بن إسحاق، وهؤلاء اختلفوا على ثلاثة أوجهٍ :
الأول : قال وَهْبٌ : تُوفِّي ثلاثَ ساعاتٍ، ثم رُفِع وأحْيِيَ (١).
الثاني : قال محمد بن إسحاق : توفي سبع ساعات، ثم أحياه الله ورفعه (٢).
الثالث : قال الربيع بن أنس : إنه - تعالى - أنامه حال رفعه إلى السماء(٣)، قال تعالى اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مِوْتِهَا [ الزمر : ٤٢ ].
وثالثها : أن الواو لا تفيد الترتيب، فالأمر فيه موقوف على الدليل، وقد ثبت أنه حي، وأنه ينزل ويقتل الدجال ثم يتوفاه الله بعد ذلك.
رابعها : إني متوفيك عن شهواتك، وحظوظ نفسك، فيصير حاله كحال الملائكة- في زوال [ الشهوات ] (٤) والغضب والأخلاق الذميمة -.
خامسها : أن التَّوفِّيَ أخذ الشيء وافياً، ولما علم الله أن من الناس من يخطر بباله أن الذي رفعه الله هو رُوحهُ، لا جَسَدُهُ، ذكر ذلك ؛ ليدل على أنه - عليه السلام - رفع بتمامه إلى السماء - بروحه وجسده.
وسادسها : إني متوفيك، أي جاعلك كالمتوفى ؛ لأنه إذا رفع إلى السماء، وانقطع خبره، وأثره عن الأرض كان كالمتوفى، وإطلاق اسم الشيء على ما يشابهه في أكثر خواصه وصفاته جائز حسن.
وسابعها : أن التوفِّي هو القبض، يقال : فلان وفاني دراهمي، ووافاني، وتوفيتها منه، كما يقال سلم فلان دراهمي إلي، وتسلمتها منه. فإن قيل : فعلى هذا يكون التوفي في عين الرفع، فيصير قوله : وَرَافِعُكَ إِلَيَّ تكراراً، فالجواب : أن قوله إِنِّي مُتَوَفِّيكَ يدل على حُصُولِ التَّوفِّي، وهو جنس تحته أنواع، بعضها بالموتِ وبعضُها بالإصعادِ، فلما قال : وَرَافِعُكَ إِلَيَّ صار تعييناً للنوع، فلم يكن تكراراً.
ثامنها : أن يقدر حذف مضاف، أي : متوفي عملك، بمعنى مستوفي عملك، ورافعك إليَّ، أي : ورافع عملك إليّ، كقوله : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [ فاطر : ١٠ ] والمرادُ منه : أنه تعالى بشره بقبول طاعاتِهِ وأعماله، وعرَّفه أن ما يصل إليه من المتاعب والمشاق - في نشر دينه، وإظهار شريعته من الأعداء فهو لا يُضيع أجره، ولا يهدر ثوابهُ.
وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ليُوشِكَنَّ أنْ يَنْزِلَ فِيْكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حكماً عدلاً، يَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، فَيَفِيضُ الْمَالُ، حَتَّى لا يَقْبَلُهُ أحَدٌ " (٥).
وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في نزول عيسى :" وَيُهْلَكُ فِي زَمَانِهِ الْمِلَلُ كُلُّها إلاَّ الإسْلاَم وَيُهْلَكُ الدَّجَّال، فَيَمْكُثُ في الأرْضِ أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يُتَوَفَّى فَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ(٦) ".
وقيل للحُسَيْن بن الفضل : هل تجدُ نزولَ عيسى في القرآن ؟ قال : نعم، قوله : وَكَهْلاً وهو لم يكتهل في الدنيا، وإنما معناه : وَكَهْلاً بعد نزوله من السماء(٧).

فصل


قال القرطبيُّ :" والصحيح أن الله تعالى - رفعه من غير وفاة ولا نومٍ - كما قال الحسنُ وابنُ زيد - وهو اختيار الطبريِّ، وهو الصحيحُ عن ابنِ عباس ".
وقال الضحاك : وكانت القصة أنهم لما أرادوا قَتْلَ عيسى عليه السلام اجتمع الحواريُّونَ في غرفة - وهم اثنا عشرَ رَجُلاً، فدخل عليهمُ المسيحُ من مشكاةِ الغرفةِ، فأخبر إبليس جَميع الْيَهُودِ، فركب منهم أربعة آلاف رجلٍ، فأخذوا بباب الغرفة، فقال المسيح للحواريين : أيُّكُمْ يخرج، ويقتل، ويكون معي في الجنة ؟ فقال واحدٌ منهم أنا يا نبيَّ الله، فألقَى إليه مدرعة من صوف، وعمامة من صوفٍ، ونَاوَلَه عُكَّازه، وألقي عليه شبه عيسى، فخرج على اليهود فقتلوه، وصلبوه، وأما عيسى فكساه اللهُ الرِّيشَ، وألبسه النورَ، وقطع عنه شهوة المطعم والمشرب، فَطَارَ مع الملائكة، ثم إن أصحابه تفرقوا ثلاث فرق :
فقالت فرقة : كان اللهُ فينا، ثم صعد إلى السماء، وهم اليعقوبية.
وقالت فرقة : كان فينا ابن الله - ما شاء الله - ثم رفعه الله إليه - وهم النسطورية.
وقالت فرقة : كان فينا عبدُ الله ورسوله - ما شاء الله - ثم رفعه الله إليه - وهؤلاء هم المسلمون(٨).
فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها، فلم يَزَل الإسلامُ طامساً حتى بَعَثَ اللهُ محمداً صلى الله عليه وسلم فَآمَنَت طَّآئِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٌ [ الصف : ١٤ ] الآية على ما سيأتي من السورة إن شاء الله تعالى.
قوله : وَرَافِعُكَ إلَيَّ تمسَّك القائلون بالاستعلاء بهذه الآية، وأجيبُوا عنها بوجوهٍ :
أحدها : أن المراد إلى محل كرامتي، كقول إبراهيم :" إنِّي ذاهبٌ إلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ " وإنما ذهب إبراهيم عليه السلام من " العراق " إلى " الشام "، ويُسَمَّى الحُجَّاجُ زُوَّارَ الله، والمجاورون جيران الله، والمراد من كل ذلك التفخيم والتعظيم، فكذا هاهنا.
وثانيها : أن معناه [ رافعك إلى مكان ] (٩) لا يملك الحكم عليه فيه غيرُ اللهِ ؛ لأن في الأرض قد يتولى الخلقَ أنواعُ الحُكَّامِ، أمَّا السماوات فلا حاكم هناك - في الظاهر وفي الحقيقة - إلا اللهُ.
وثالثها : أن القول بأن الله في مكان لم يكن ارتفاع عيسى إلى ذلك المكان سبباً لانتفاعه، بل إنما ينتفع بذلك لو وجد هناك مطلوبهُ من الثواب والرَّوح والريحان والراحة، فلا بد من حمل اللفظِ على أن المراد : ورافعك إلى محل ثوابك ومجازاتك، وإذا كان لا بد من إضمار ما ذكرناه لم يَبْقَ في الآية دلالة على ما ذكروه.
قوله : وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ معناه مُخْرِجك من بينهم، ومُنَجِّيك، فكما عظَّم شأنَه بلفظ الرفع، أخبر عن معنى التخليص بلفظ التطهيرِ، وكل ذلك مبالغة في إعلاء شأنَه وتعظيم منصبه عند الله تعالى.
قوله : وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فيه قولان :
أظهرهما : أنه خطاب لعيسى عليه السلام.
الثاني : أنه خطاب لنبينا صلى الله عليه وسلم فيكون الوقف على قوله : مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ تاماً، والابتداء بما بعده، وجاز هذا ؛ لدلالة الحال عليه. و فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثاني مفعولي وَجَاعِلُ لأنه بمعنى مُصَيِّر فقط.
و إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ متعلق بالجَعْل، يعني أن هذا الجعل مستمر إلى ذلك اليوم.
ويجوز أن يتعلق الاستقرار المقدَّر في فَوْقَ أي : جاعلهم قاهرين لهم، إلى يَوْمِ القيامةِ، يعني أنهم ظاهرون على اليهود، وغيرهم من الكفار بالغلبة في الدنيا، فأما يوم القيامة، فَيَحْكُمُ اللهُ بينهم، فيدخل الطائع الجَنَّةَ، والعاصي النَّارَ وليس المعنى على انقطاع ارتفاع المؤمنين على الكافرين بعد الدنيا، وانقضائها ؛ لأن لهم استعلاءً آخر غير هذا الاستعلاء.
قال أبو حيّان :" والظاهر أن " إلى " تتعلق بمحذوف وهو العامل في " فَوْقَ " وهو المفعول الثاني ل " َجَاعِل " إذْ معنى " جاعل " هنا مُصَيِّر، فالمعنى كائنين فوقهم إلى يوم القيامة. وهذا على أن الفوقية مجاز، أما إن كانت الفوقية حقيقة - وهي الفوقية في الجنة - فلا تتعلق " إلى " بذلك المحذوف، بل بما تقدم من " مُتَوَفِّيك " أو من " رَافِعُكَ " أو من " مُطَهِّرُكَ " إذْ يصح تعلُّقه بكل واحد منها، أما تعلقه ب " رَافِعُكَ " أو ب " مُطَهِّرُكَ " فظاهر، وأما ب " مُتَوَفِّيكَ " فعلى بعض الأقوال ".
يعني ببعض الأقوال أن التوفي يُرادُ به : قابضك من الأرض من غير موت، وهو قول جماعة - كالحسن والكلبي [ وابن جريج ] (١٠) وابن زيد وغيرهم(١١). أو يراد به ما ذكره الزمخشريُّ : وهو مُسْتَوْفٍ أجلك، ومعناه : إني عاصمك من أن يقتلَكَ الكفارُ، ومؤخِّرُك إلى أجل كتبتُهُ لك، ومميتك حَتْفَ أنفكِ لا قَتْلاً بأيدي الكفار، وإن على قول مَنْ يقول : إنه تَوَفٍّ حقيقةً فلا يُتَصَوَّر تعلُّقه به ؛ لأن القائلَ بذلك لم يَقُل باستمرار الوفاة إلى يوم القيامة، بل قائل يقول : إنه تُوُفِّي ثَلاثَ ساعاتٍ، بقدر ما رفع إلى سمائه حتّى لا يلحقَه خوفٌ ولا ذُعْرٌ في اليقظة. وعلى هذا الذي ذكره أبو حيان يجوز أن تكون المسألة من الإعمال، ويكون قد تنازع في هذا الجار ثلاثةُ عواملَ، وإذا ضَمَمْنَا إليها كَوَن الفوقية مجازاً تنازع فيها أربعة عوامل، والظاهر أنه متعلق ب " جَاعِل ". وقد تقدم أن أبا عمرو يسكن ميم " أحكم " ونحوه قبل الباء.

فصل


قال قتادةُ والربيعُ والشعبيُّ ومقاتل والكلبيُّ : الذين اتبعوه هم أهْلُ الإسلام الذين صدقوه(١٢) واتبعوا دينَه في التوحيد من أمَّةِ محمد صلى الله عليه وسلم فهم فوق الذين كفروا ظاهرين بالعزة، والمنعة، والحُجَّةِ.
قال الضحاك : يعني الحواريين.
وقيل : هم الروم (١٣).
وقيل : النصارى، فَهُمْ فَوْقَ اليهود إلى يَوْمِ القيامةِ(١٤)، فإن اليهود قد ذهب ملكُهم، وملك النصارى يدوم إلى قريب من قيام الساعة. وعلى هذا الاتباع بمعنى الادعاء والمحبة لا اتباع الدين، فإن النصارى - وإن أظهروا من أنفسهم موافقته فهم مخالفون له أشَدَّ مخالفةٍ ؛ لأن صريح العقل يشهد بأن عيسى ما كان يرضى بشيء مما يقوله هؤلاء الجُهَّالُ، ومع ذلك فإنا نرى دولة النصارى في الدنيا أعظم وأقوى من أمر اليهود، ولا نرى في طرف من أطراف الدنيا ملكاً يهوديًّا ولا بلدة مملوءة من اليهود، بل يكونون - أيْنَما كانوا - في الذلة والمسكنة، والنصارى بخلاف ذلك.

فصل


قال أهلُ التّاريخِ : حملت مريم بعيسى ولها ثلاثَ عشْرَةَ سنةً، وولدت عيسى ببيت لحم لمضيّ خمس وستين سنةً من غلبة الاسكندر على أهل بابل، وأوحى الله إليه على رأس ثلاثين سنةً ورفعه من بيت المقْ
١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٤٥٧) عن وهب بن منبه وذكره القرطبي في "تفسيره" (٤/٦٤) وزاد نسته لابن أبي حاتم..
٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٤٥٨) عن ابن إسحاق..
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٤٥٥) عن الربيع بن أنس..
٤ في أ: الشهوة..
٥ أخرجه البخاري (٦/٥٦٦) كتاب الأنبياء باب نزول عيسى ابن مريم عليه السلام (٣٤٤٨) ومسلم (١/١٣٥) كتاب الإيمان: باب نزول عيسى ابن مريم (٢٤٢- ١٥٥) والترمذي (٢٢٣٣) وأحمد (٢/٥٣٨) والبيهقي (١/٢٤٤، ٣/١٨٠) وعبد الرزاق (٢٠٨٤٠) والبغوي في "شرح السنة" (٧/٤٥٤) عن أبي هريرة..
٦ أخرجه مسلم (١/٣٥) كتاب الإيمان: باب نزول عيسى ابن مريم (٢٤٣- ١٥٥) والبغوي في "شرح السنة" (٧/٤٥٥)..
٧ ذكره الرازي في "التفسير الكبير" (٨/٤٦) عن الحسين بن الفضل..
٨ ذكره البغوي في تفسيره ١/٣٠٧، ٣٠٨ عن قتادة..
٩ سقط في ب..
١٠ في أ: ابن جرير..
١١ تقدم..
١٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٤٦٢- ٤٦٣) عن قتادة والحسن والربيع والسدي وابن جريح.
وذكره السيوطي في الدر المنثور" (٢/٦٥) عن قتادة وزاد نسبته لعبد بن حميد.
وأخرجه ابن أبي حاتم عن الحسن كما في "الدر المنثور" (٢/٦٥)..

١٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٤٦٣) عن السدي..
١٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٤٦٣) عن ابن زيد..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية