إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي
تفسير المفردات :
التوفي : أخذ الشيء وافيا تاما ثم استعمل بمعنى الإماتة كما قال تعالى : الله يتوفى الأنفس حين موتها وتطهيره من الذين كفروا : براءته مما كانوا يرمونه به بتهمة أمه بالزنا.
المعنى الجملي
كان الكلام قبل هذا في بشارة الملائكة لمريم بعيسى عليه السلام، وكلامه الناس في المهد، وإيتائه الكتاب والحكمة والنبوة وإرساله رسولا إلى بني إسرائيل وذكر براءة أمه التي تقدم ذكرها.
وهنا ذكر خبره مع قومه وما لاقاه منهم من الصد والإعراض ومقاساة الأهوال وهمهم بقتله وإنجاء الله إياه، ووعيد الكافرين به وعذابهم في الدنيا والآخرة، وطوى ذكر ما بينهما من خبر ولادته وبعثته مؤيدا بتلك الآيات التي تقدمت اكتفاء بحكاية الملائكة، وثقة بما فصل في المواضع الأخرى
الإيضاح :
أي مكر الله بهم حين قال لنبيه إني متوفيك ورافعك إليّ.
وفي هذا بشارة بنجاته من مكرهم واستيفاء أجله، وأنهم لا ينالون منه ما كانوا يريدون بمكرهم وخبثهم.
وللعلماء في تأويل هذه الآية رأيان :
١ أن فيها تقديما وتأخيرا، والأصل : إني رافعك إلي ومتوفيك، أي إني رافعك الآن ومميتك بعد النزول من السماء في الحين الذي قدر لك- وعلى هذا فهو قد رفع حيا بجسمه وروحه وأنه سينزل آخر الزمان، فيحكم بين الناس بشريعتنا ثم يتوفاه الله.
٢ أن الآية على ظاهرها، وأن التوفي هو الإماتة العادية، وأن الرفع بعده للروح ولا غرابة في خطاب الشخص وإرادة روحه، فالروح هي حقيقة الإنسان، والجسد كالثوب المستعار يزيد وينقص ويتغير والإنسان إنسان لأن روحه هي هي.
والمعنى- إني مميتك وجاعلك بعد الموت في مكان رفيع عندي كما قال في إدريس عليه السلام ورفعناه مكانا عليا .
وحديث الرفع والنزول آخر الزمان حديث آحاد يتعلق بأمر اعتقادي، والأمور الاعتقادية لا يؤخذ فيها إلا بالدليل القاطع من قرآن أو حديث متواتر، ولا يوجد هنا واحد منهما، أو أن المراد بنزوله وحكمه في الأرض غلبة روحه، وسر رسالته على الناس بالأخذ بمقاصد الشريعة دون الوقوف عند ظواهرها، والتمسك بقشورها دون لبابها.
ذاك أن المسيح عليه السلام لم يأت لليهود بشريعة جديدة، ولكن جاء بما يزحزحهم عن الجمود على ظواهر شريعة موسى عليه السلام، ويفقهم على فقهها والمراد منها فإن أصحاب هذه الشريعة قد جمدوا على ظواهر ألفاظها، فكان لا بد لهم من إصلاح عيسوي يبين لهم أسرار الشريعة وروح الدين، وكل ذلك في القرآن الكريم الذي حجبوا عنه بالتقليد.
فزمان عيسى هو الزمان الذي يأخذ الناس فيه بروح الدين والشريعة الإسلامية، لإصلاح السرائر من غير تقيد بالرسوم والظواهر.
وأما الدجال فهو رمز الخرافات والدجل والقبائح التي تزول بتقرير الشريعة على وجهها والأخذ بأسرارها من غير تقيد بالرسوم والظواهر.
وأما الدجال فهو رمز الخرافات والدجل والقبائح التي تزول بتقرير الشريعة على وجهها والأخذ بأسرارها وحكمها، والقرآن أعظم هاد إلى الحكم والأسرار، وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم مبينة لذلك.
ومطهرك من الذين كفروا أي ومنجوك مما كانوا يريدون بك من الشر، أو مما كانوا يرمونه به من القبائح ونسبة السوء إليه.
وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا أي وجاعل الذين آمنوا بأنك عبد الله ورسوله، وصدقوك في قولك ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد ثم آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم بعدك فوق الذين مكروا به من اليهود وكذبوك، ومن سار بسيرتهم ممن لم يهتد بهديك.
وهذه الفوقية إما فوقية دينية روحانية وهي فضلهم عليهم في حسن الأخلاق، وكمال الآداب، والقرب من الحق، والبعد من الباطل، وإما فوقية دنيوية وهي كونهم أصحاب السيادة عليهم.
وفي هذا إخبار عن ذل اليهود ومسكنتهم إلى يوم القيامة وقد تحقق ذلك، فلا يرى ملك يهودي، ولا بلد مستقل لهم بخلاف النصارى، ولكن هذا لم يتحقق زمن المسيح لأتباعه، بل كان اليهود يغلبونهم على أمرهم، فالوجه الأول أولى بالاعتبار.
إلى يوم القيامة أي إن هذا السمو في الآداب والأخلاق والكمال في الفضائل سيستمر لهم مادامت السماوات والأرض، وبعدئذ يفعل الله بهم ما يشاء.
ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون أي ثم مصيركم إلي يوم البعث، فأحكم بينكم حينئذ فيما اختلفتم فيه من أمور الدين، وهذا شامل للمسيح والمختلفين معه، وشامل للاختلاف بين أتباعه والكافرين به.
وحينئذ يتبين لهم الحق في كل ما اختلفوا فيه بما يمحو شبه الجاحدين وعناد المخالفين.
تفسير المراغي
المراغي