ﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮ

إن أولى الناس أولى مشتق من الوالي بمعنى القريب يعني أخصهم وأقربهم دينا بإبراهيم للذين اتبعوه من أمته حيث كانوا على دينه بلا شبهة وهذا النبي محمد صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم لموافقتهم لإبراهيم في أكثر الشرائع فإنهم يوحدون ويضحون ويختتنون ويصلون إلى الكعبة ويحجون ويعتمرون ويتمون بكلمات ابتلى بها إبراهيم ربه فأتمّهنّ، والله ولي المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم فإنهم يؤمنون بجميع الأنبياء من أولهم إلى آخرهم بخلاف اليهود والنصارى.
قال البغوي : روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ورواه محمد بن إسحاق عن ابن شهاب بإسناد أنه لما هاجر جعفر بن أبي طالب وأناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحبشة وهاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وكان وقعة بدر اجتمعت قريش في دار الندوة، وقالوا : إن لنا في الذين هم عند النجاشي من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ثأرا ممن قتل منكم ببدر فاجمعوا مالا وأهدوه إلى النجاشي لعله يدفع إليكم من عنده من قومكم ولينتدب لذلك رجلان من ذوي رأيكم، فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن أبي معيط مع الهدايا الأدم وغيره، فركبا البحر وأتيا الحبشة، فلما دخلا على النجاشي سجدا له وسلما عليه وقالا له إن قومنا لك ناصحون شاكرون ولصلاحك محبون، وإنهم بعثوا إليك لنحذرك هؤلاء الذين قدموا عليك لأنهم قوم رجل كذاب خرج فينا يزعم أنه رسول الله ولم يتابعه منا أحد إلا السفهاء وإنّا كنا قد ضيّقنا عليهم وألجأناهم إلى شعب بأرضنا لا يدخل عليهم أحد ولا يخرج منهم أحد قد قتلهم الجوع والعطش، فلما اشتد عليه الأمر بعث إليك ابن عمه ليفسد عليك دينك وملكك ورعيتك فاحذرهم وادفعهم إلينا لنكفيكهم، قالوا : وآية ذلك أنهم إذا دخلوا عليك لا يسجدون لك ولا يحيونك بالتحية التي يحييك الناس رغبة عن دينك وسنتك. قال : فدعاهم النجاشي فلما حضروا صاح جعفر بالباب يستأذن عليك حزب الله، فقال النجاشي : مروا هذا الصائح فليعد كلامه ففعل جعفر، فقال النجاشي : نعم فليدخلوا بإذن الله وذمته، فنظر عمرو بن العاص إلى صاحبه فقال : ألا تسمع كيف يرطنون بحزب الله وما أجابهم به النجاشي فساءهما ذلك، ثم دخلوا عليه فلم يسجدوا له، فقال عمرو بن العاص ألا ترى أنهم يستكبرون أن يسجدوا لك، فقال لهم النجاشي ما منعكم أن تسجدوا لي وتحيوني بالتحية التي يحييني بها من أتاني من الآفاق، قالوا : نسجد لله الذي خلقك وملكك وإنما كانت تلك التحية ونحن نعبد الأصنام فبعث الله فينا نبيا صادقا وأمرنا بالتحية التي رضيها الله وهي السلام تحية أهل الجنة، فعرف النجاشي أن ذلك حق وأنه في التوراة والإنجيل. قال : أيكم الهاتف يستأذن عليك حزب الله ؟ قال جعفر : أنا، قال : فتكلم، قال : إنك ملك من ملوك أهل الأرض ومن أهل الكتاب ولا يصلح عندك كثرة الكلام ولا الظلم وأنا أحب أن أجيب عن أصحابي، فمر هذين الرجلين فليتكلم أحدهما ولينصت الآخر فتسمع محاورتنا، فقال عمرو لجعفر تكلم فقال جعفر للنجاشي سل هذين الرجلين أعبيد نحن أم أحرار ؟ قال : بل أحرار كرام، قال النجاشي : نجوا من العبودية، ثم قال جعفر : سلهما هل أهرقنا دما بغير حق فيقتص منا ؟ قال : لا ولا قطرة، قال جعفر : سل هل أخذنا أموال الناس بغير حق فعلينا قضاؤه ؟ قال النجاشي : إن كان قنطارا فعلي قضاؤه، قال عمرو : لا ولا قيراطا، قال النجاشي : فما تطلبون منهم ؟ قال عمرو : كنا وهم على دين واحد وأمر واحد على دين آبائنا فتركوا ذلك واتبعوا غيره فبعثنا إليك قومهم لتدفعهم إلينا، فقال النجاشي : ما هذا الدين الذي كنتم عليه والدين الذي اتبعتموه اصدقني ؟ قال جعفر : أما الدين الذي كنا عليه فتركناه فهو دين الشيطان كنا نكفر بالله ونعبد الحجارة، وأما الذي تحولنا إليه فدين الله الإسلام جاءنا به من الله رسول وكتاب مثل ابن مريم موافقا له، فقال له النجاشي : تكلمت بأمر عظيم فعلى رسلك. ثم أمر النجاشي فضرب بالناقوس فاجتمع إليه كل قسيس وراهب، فلما اجتمعوا عنده قال النجاشي : أنشدكم الله الذي أنزل الإنجيل على عيسى هل تجدون بين عيسى وبين يوم القيامة نبيا مرسلا ؟ قالوا : اللهم نعم، قد بشرنا به عيسى وقال : من آمن به فقد آمن بي ومن كفر به فقد كفر بي، فقال النجاشي لجعفر : ماذا يقول لكم هذا الرجل ؟ وما يأمركم به وما ينهاكم عنه ؟ قال : يقرأ علينا كتاب الله ويأمرنا بالمعروف وينهى عن المنكر ويأمر بحسن الجوار وصلة الرحم وبر اليتيم ويأمر بأن نعبد الله وحده لا شريك له. قال : اقرأ علي مما يقرأ عليكم، فقرأ عليهم سورة العنكبوت والروم ففاضت عين النجاشي وأصحابه من الدمع، فقالوا : زدنا يا جعفر من هذا الحديث الطيب فقرأ عليهم سورة الكهف، فأراد عمرو أن يغضب النجاشي فقال : إنهم يشتمون عيسى وأمه، فقال ما تقولون في عيسى وأمه فقرأ عليهم سورة مريم فلما أتى على ذكر مريم وعيسى رفع النجاشي نفثه من سواكه قدر ما يقذي العين، قال : والله ما زاد المسيح على ما يقولون هذا، ثم أقبل على جعفر وأصحابه فقال : اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي يقول آمنون، من سبكم أو آذاكم غرّم، ثم قال : أبشروا ولا تخافوا فلا دهورة اليوم على حزب إبراهيم، قال عمرو : يا نجاشي ومن حزب إبراهيم ؟ قال : هؤلاء الرهط وصاحبهم الذي جاءوا من عنده ومن اتبعهم، فأنكر ذلك المشركون وادعوا في دين إبراهيم، ثم رد النجاشي على عمرو وصاحبه المال الذي حملوه وقال : إنما هديتكم إليّ رشوة فاقبضوها فإن الله ملّكني ولم يأخذ مني رشوة، قال جعفر : فانصرفنا فكنا في خير دار وأكرم جوار وأنزل الله تعالى ذلك اليوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في خصومتهم في إبراهيم وهو بالمدينة قوله عز وجل إن أولى الناس الآية.

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير