إبراهيم، واستجهلهم فيما ادعوه، وأنه كان على إحدى الملتين
اليهودية والنصرانية، وبتّ الحكم على كونه حنيفاً مسلماً على ما
تقدم، ثم بيّن أنه لم يكن من المشركين؛ تنبيها أن اليهود
والنصارى فيما ابتدعوه وادعوه مشركون..
قوله عز وجل (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)
قد تقدم معنى الولاية والاتباع، وأنه تارة يكون بالسنن
وتارة يكون بالاعتقاد.
وهذا الثاني هو المراد، ومعنى الآية أن أصدق الناس موالاة لإِبراهيم
من تبعه في اعتقاده وأفعاله، وهذا النبي والذين آمنوا هم المتبعون
له، فإذن هم أحق به، فعلى قوله: (وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا)
مبتدأ محذوف الخبر، وقيل: عنى بقوله الذين اتبعوه:
المتبعون له في زمانه، وقوله: (وَهَذَا النَّبِيُّ) معطوف عليه.
إن قيل: لِمَ أفرد ذكر النبي - ﷺ - عن المؤمنين؟
قيل: لأنه هو المقصود بالولاية، والمؤمنون غير الذين آمنوا وهم تابعوه، ويجوز أن يُجعل المؤمنون عاماً، ويكون إفراد النبي - ﷺ - تعظيما له كإفراد جبريل وميكائيل عن الملائكة، وقدم ذكره تشريفا له، كقوله:
(وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ) فقدم ذكرهما، وإن كانا
من جملة النبيين، وإنما قال: (وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) ولم يقل: وليهم.
تنبيها أن موالاة الله تعالى تُستحق بالإِيمان، وأنها ليست بمقصورة
على من تقدم ذكرهم، بل ذلك لكل مؤمن في كل وقت.
والولي هاهنا يُحتَمَلُ على وجهين:
أحدهما: أن يكون بمعنى الفاعل.
ولما ذكر حال إبراهيم ومشاحّة الناس في الانتساب إليه نبّه
بقوله: (وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) أنّ إبراهيم استحق منزلته.
والثاني: أن يكون بمعنى الموالىَ، أي المؤمنون هم الذين يوالون الله.
فأما الكفار فيوالون الشيطان، كما قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ).
تفسير الراغب الأصفهاني
أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى
هند بنت محمد سردار