ﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻ

الآية الثالثة عشرة : قوله تعالى : كُلُّ الطَّعَامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إسْرَائِيلَ إلاَّ مَا حَرَّمَ إسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ .
فيها ثلاث مسائل :
المسألة الأولى : سبب نزولها، وفيه ثلاثة أقوال :
الأول : رُوِي أنَّ اليهود أنكروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم تحليلَ لحوم الإبل، فأخبر اللهُ بتحليلها لهم حتى حرَّمها إسرائيلُ على نفسه.
المعنى إني لم أحرِّمْها عليكم، وإنما كان إسرائيل هو الذي حرَّمها على نفسه.
الثاني : أنّ عصابةً من اليهود جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا له : يا أبا القاسم ؛ أخبرنا أيّ الطعام حرَّم إسرائيلُ على نفسه من قبل أن تنزل التوراة ؟ فقال :«أنشدكم بالله الذي أنزل التوراةَ على موسى، هل تعلمون أنَّ إسرائيلَ مرض مرضاً شديداً طال سقمه فيه فنذر لئِنْ عافاه اللهُ مِنْ سقمه ليحرِّمَنَّ الطعام والشراب إليه، وكان أحبُّ الطعام والشراب إليه لحوم الإبل وألبانها ؟ فقالوا : اللهم نَعَمْ. قال : فأتوا بالتوراة فاتْلُوها إنْ كنتم صادقين في دعواكم أنَّ اللهَ سبحانه أنزل تحريمَ ذلك فيها ». رواه الطبري.
الثالث : أنها نزلَتْ في نَفَرٍ من اليهود جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم برجل وامرأة زَنَيا، فرجمهما النبيُّ صلى الله عليه وسلم على ما يأتي ببيانُه في سورة المائدة إن شاء الله تعالى.
فأما نزولُها في رَجْم اليهود فيأباه ظاهرُ اللَّفْظ، وأما سائرها فمحتمَل، والله أعلم.
المسألة الثانية : اختلفوا في تحريم إسرائيل على نفسه ؛ فقيل : كان بإذْنِ الله تعالى.
وقيل : كان باجتهادٍ، وذلك مبنيٌّ على جواز اجتهادِ الأنبياء ؛ وقد بينّاه في موضعه.
واختلف في تحريم اليهود ذلك. فقيل : إنَّ إسرائيلَ حرَّمها على نفسه وعليهم.
وقيل : اقتدوا به في تحريم ذلك، فحرَّم اللهُ تعالى عليهم بَغْيهم، ونزلت به التوراة، وذلك في قوله تعالى : فبِظُلْم من الذين هادُوا حرَّمْنا عليهم طيباتٍ أُحِلَّتْ لهم [ النساء : ١٦٠ ].
والصحيحُ أنَّ للنبي أن يجتهد ؛ وإذا أدَّاه اجتهادُه إلى شيء كان دِيناً يلزمُ اتّباعُه لتقريرِ اللهِ سبحانه إياه على ذلك، وكما يُوحَى إليه ويلزم اتباعه، كذلك يُؤْذن له ويجتهد، ويتعيّن موجبُ اجتهاده إذا قُدر عليه.
والظاهر من الآية - مع أنّ الله سبحانه أضاف التحريم إليه بقوله إلاَّ ما حرّم إسرائيلُ على نفسه مِنْ قَبْلِ أن تنزَّلَ التوراة - أنَّ اللهَ سبحانه أَذِنَ له في تحريم ما شاء، ولولا تقدّم الإذنِ له ما تسَوَّر على التحليل والتحريم، وتقدم ما يقتضي ذلك على القول بجواز الاجتهاد فحرّمه مجتهداً فأقرَّه اللهُ سبحانه عليه.
وقد حرَّم النبيُّ صلى الله عليه وسلم العَسَل على الرواية الصحيحة أو جاريته مارية فلم يقر الله تحريمه، ونزل قوله تعالى : يأيها النبي لِمَ تحرِّمُ ما أحلَّ اللهُ لك [ التحريم : ١ ]. وكان ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم اجتهاداً أو بأمْرٍ على ما يأتي بيانُه إن شاء الله تعالى.
المسألة الثالثة : حقيقةُ التحريم الْمَنْع ؛ فكلُّ من امتنع من شيء مع اعتقاده الامتناع منه فقد حرّمه، وذلك يكونُ بأسبابٍ ؛ إما بنَذْرٍ كما فعل يعقوب في تحريم الإبل وألبانها ؛ وإما بيمينٍ كما فعل النبيُّ صلى الله عليه وسلم في العَسل، أو في جاريته ؛ فإن كان بِنَذْرٍ فإنه غير منعقد في شَرْعنا.
ولسنا نتحقّق كيفيةَ تحريم يعقوب ؛ هل كان بنَذْرٍ أو بيمين ؛ فإنْ كان بيمين فقد أحلَّ الله لنا اليمين بالكفارة أو بالاستثناء المتصل رخصة منه لنا، ولم يكن ذلك لغيرنا من الأمم.
فلو قال رجل : حرَّمتُ الخبْزَ على نفسي أو اللحم لم يَحْرُم ولم ينعقد يميناً ؛ فإن قال : حرمت أهلي فقد اختلف العلماءُ فيه اختلافاً كثيراً يأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى.
والصحيح أنه يلزمه تحريمُ الأهل إذا ابتدأ بتحريمها كما يحرمها بالطلاق، ولا يلزمه تحريمٌ فيما عدا ذلك ؛ لقوله سبحانه : لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا [ المادة : ٨٧ ].

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

ابن العربي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير