(كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ أن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ) " حِلٌّ " معناها حلال، ومعنى النص السامي أن كل الطعام قبل التوراة كان حلالا لبني إسرائيل حتى غلظت أكبادهم، واستولت عليهم الماديات،
صفحة رقم 1315
فأراد الله سبحانه وتعالى أن يَفْطموا نفوسهم عن أهوائها ليكبحوا جماح شهواتهمِ ولكيلا يندفعوا في الظلم والأهواء المردية، ولذا قال سبحانه: (فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِين هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ...).
والطعام هو ما يطعمه الإنسان ويستسيغه ويطلبه راغبا فيه، وهو في عمومه يشمل البُر والذرة والشعير، وكل المواد النباتية والحيوانية، ولذا قال تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ...). وقال تعالى: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لهُمْ...)، والمراد ذبائحهم. وبمقتضى هذا النص السامي يكون كل طيب مطعوم مرغوب فيه حلالا ولا يحرم إلا الخبائث من الميتة والخنزير وغيرهما، وأن ذلك كان شريعة إبراهيم عليه السلام، وأنه ما كانت لحوم الإبل ولا ألبانها من المحرمات لأنها من الطيبات، وإبراهيم وذريته على هذه الشريعة الفطرية، حتى قست قلوب بني إسرائيل ففطمها الله بذلك التحريم المؤقت.
إذن فلم يكن شيء من الإبل محرما، ولم يكن شيء من الطيبات محرما على بني إسرائيل من قبل التوراة، إلا ماحرمه إسرائيل على نفسه، وإسرائيل اسم ليعقوب بن إسحاق عليهما السلام، وقد اختلف العلماء في تخريج قوله تعالى: (إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ) ما المراد بِإِسرائيل أهو القبيل كله، وهم اليهود؟ أم المراد ذات يعقوب الذي هو أبو القبيل، وإليه ينتمي؟.
ذكر الزمخشري التخريجين، ورجح أن المراد ذات يعقوب عليه السلام، ويكون المعنى: إن كل الطعام كان حلالا لبني إسرائيل إلا ماكان يحرمه إسرائيل على نفسه باجتهاد منه لشخصه: إما لعلاج جسمي بأن وجد أن هذا الطعام يضره ويؤذيه، وأن الابتعاد عنه ينفعه ويجديه، كما نرى من ناس يتجنبون بعض الأطعمة لأنها لَا تناسب حالهم بإشارة طبيب أمين أو بتجربة شخصية، وكل امرئ طبيب نفسه. وإما لعلاج نفسي كأن يمتنع عن بعض ألوان الطعام قناعة وفطما
للنفس، وما كان يتخذ ذلك شريعة تتبع بل اتخذه علاجا شخصيا لجسمه أو لنفسه، ولقد قال النبي - ﷺ -: " من الإسراف أن تأكل كل ما تشتهي ". هذا هو التخريج الأول.
أما التخريج الثاني فإن مقتضاه أن بني إسرائيل هم الذين حرّموا بعض الأطعمة على أنفسهم كما كان العرب يحرمون على أنفسهم بعض أنواع الأطعمة، كتحريم البَحيرة (١) ونحوها مما نعاه القرآن الكريم عليهم.
ولعل القبيل كان يحرم على نفسه الإبل مثلا تقليدا ليعقوب فيما لَا يجب التقليد فيه.
ولكنهم ادّعوا أن تحريمهم لبعض الأطعمة التي لم يحرمها الله تعالى عليهم كان في التوراة منسوبا لإبراهيم، ولذلك تحداهم الله سبحانه وتعالى بقوله: (قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) الخطاب للنبي - ﷺ -، وهو تكليف منه تعالت قدرته بأن يطلب إليهم أن يأتوا بالتوراة ليبيِّنوا النص الذي كان به التحريم أهو يدل على أنه كان قبل التوراة، أم كان بعدها؟، وأيدخل في عموم التحريم تحريم لحوم الإبل وألبانها؟ و " الفاء " في قوله: (فَأتُوا بِالتَّوْرَاةِ) هي التي تسمى فاء الإفصاح، وهي تفصح عن شرط مقدر، أي إذا كانت دعواكم تحريم الإبل في شريعة إبراهيم وقبل التوراة فأتوا بها أي احْضِروها، و " الفاء " في قوله: (فَاتْلُوهَا) فاء العطف، أي فأحضروها، واتلوها عقب إحضارها، وتلاوتها أي قراءتها بإمعان، وتبين التحدي في قوله تعالى: (إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) والتعبير بـ " إن " للإشارة إلى عدم صدقهم؛ لأنها تدل على الشك في الشرط، وعدم ترتب الجواب عليه، أي هم ليسوا صادقين فيما يدَّعون، ولذلك لَا يتلون ولا صقرءون.
والمؤدَّى: أنكم لو جئتم بها وأمعنتم في تفهمها، لكذَّبتْكُم وَلأثْبَتَت افتراءَكم على الله سبحانه وتعالى، وإن من افترى الكذب على الله تعالى ظالم لنفسه وللناس، ولذا قال تعالى بعد ذلك:
* * *
________
(١) البحيرة ابنة السائبة، والسائبة هي الناقة التي كانت تُسَيَّب في الجاهلية لنذر أو نحوه. الصحاح.
زهرة التفاسير
محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة