ﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻ

٢٦٥- فيه من الأسئلة : كيف جمع بين " كل " و " لام التعريف ". وكلاهما للعموم، والعموم لا يعمم مرة أخرى، وإلا لزم الجمع بين المثلين أو تحصيل الحاصل ؟ والطعام هل هو مصدر أو اسم المطعوم ؟ وكيف ينتظم اسم كان وخبرها، والطعام لا يصدق عليه أنه حل، لأن الحل مصدر، فلا يكون غير المصدر المتقدم إن كان الطعام مصدرا، ولا يكون عم الطعام إن كان المراد المطعوم ؟ وما الذي حرم إسرائيل على نفسه ؟ وكيف له أن يحرم ما لم يحرمه الله تعالى وينشئ شرعا من قبل نفسه ؟ وهل ذلك يجوز في شرعنا أم لا ؟ وهل الاستثناء متصل أم لا ؟
والجواب : الأصل في " كل " أن تدخل على النكرات من أسماء الأجناس، نحو : " كل رجل، وكل درهم " لتقييد العموم في ذلك الجنس ودخولها على المعرف باللام مجاز في التركيب، ودخلت لتوكيد العموم المستفاد من لام التعريف والتأكد من مقاصد العرب، وإنما يلزم اجتماع المثلين أو تحصيل الحاصل أن لو تجدد بها تعريف غير التعريف الأول أو أنشأت تعريفا حتى يلزم ذلك، بل أكدت التعريف الحاصل فقط.
وأما الطعام فأصله اسم للشيء المطعوم، وهو ما يوجد طعمه في حاسة الذوق على وجه يكون ملائما لمزاج الإنسان احترازا مما يستطعم من الأدوية والعقاقير ونحوها، فإنها لها طعوم في حاسة الذوق ولا يطلق عليها أنها طعام في عرف الاستعمال.
ويحتمل أن يكون الطعام مصدرا محذوف الزوائد، أصله : إطعام، نحو النبات في قوله تعالى : والله أنبتكم من الأرض نباتا ١، وأصله : إثباتا، وهو كثير في اللغة، وهو وإن كان جائزا أن يراد، لكن الأصل عدم الحذف.
وأما انتظام اسم " كان " وخبرها، فإن أصل الحل أن يكون مصدرا، تقول : " حل الشيء يحل، حلا، وأحله الله تعالى يحله إحلالا ". فالحل مصدر الفعل القاصر، والإحلال مصدر الفعل المتعدي. والمراد هاهنا أحد الأمرين :
- إما أن يكون تقدير الكلام : " كان الطعام محللا ". فعبر بالمصدر عن المفعول.
- وإما أن يكون على حذف مضاف تقديره : " كل الطعام كان ذا حل ". فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. فبهذا الطريق ينتظم اسم كان وخبرها.
وأما الذي حرم إسرائيل على نفسه فاختلف فيه، فقال ابن عباس : " أصابت إسرائيل عليه الصلاة والسلام الإنسى، فجعل الله تعالى إن شفاه الله تعالى من ذلك أن لا يطعم عرقا، فلذلك اليهود تنزع العروق من اللحم " ٢ وقاله قتادة ومجاهد وغيرهم.
وعن ابن عباس أيضا وجماعة كثيرة معه، أن الذي حرم إسرائيل على نفسه هو لحوم الإبل وألبانها٣ ولم يختلفوا أن سبب التحريم مرض أصابه.
وفي الحديث : " أن رسول الله عليه السلام ناظر اليهود وقالوا له : يا محمد ما الذي حرم إسرائيل على نفسه ؟ فقال لهم : " أنشدكم بالله هل تعلمون أن يعقوب عليه السلام مرض مرضا شديدا فطال سقمه منه، فنذر لله تعالى نذرا إن أعفاه الله تعالى من سقمه ليحرمن أحب الطعام والشراب إليه، وكان أحب الطعام إليه لحوم الإبل، وأحب الشراب ألبانها ؟ قالوا : اللهم نعم " ٤. وظاهر الأحاديث والتفاسير ذلك، وأنه عليه السلام فعل ذلك تقريبا بترك الرفاهية والتنعم والتزام الزهد في الدنيا، كما نهى عمر بن الخطاب عن التردد للمجازر، : فقال : " إياكم وهذه المجازر فإنها لها ضراوة كضراوة الخمر ". وأما تحريمه العروق فبغضه لها لما أصيب بعرق النسا، كما يعتري البشر في كل شيء يتأذون منه لا على وجه القربة.
وأما أن له أن يحرم ذلك، أما بالنذر كما تقدم في الإبل فهو سبب شرعي، ويحتمل أن يكون النذر عندهم سببا ملزما كما في الشريعة المحمدية، فقد نذرت أم مريم ما في بطنها محررا لله تعالى كما ورد ذلك عنها في القرآن الكريم٥.
وأما العروق فيتخرج الأمر فيها على قاعدة مختلف فيها بين علماء الإسلام، وتسمى قاعدة العصمة، وهي أن الله تعالى هل يجعل للنبي أو العالم أنه يجتهد في المصالح ووجوه النظر لا في القواعد الشرعية، فأي شيء رآه مصلحة يكون حكما لله تعالى، ويقول الله له : احكم بأي شيء شئت، فإنك لا تحكم إلا بالصواب، كما وردت الأدلة في مجموع الأمة أنهم أي شيء حكموا به يكون حقا لا خطأ فيه، فيجوز أن يكون ذلك وقع ليعقوب عليه السلام من الله تعالى :
- إما في شرعه، وإما باعتبار شرع تقدمه فتناوله، فلما حرم ذلك نظرا من نفسه بغير مدرك شرعي كان ذلك حكم الله تعالى بناء على هذه القاعدة.
- وإما أن ذلك يجري في شرعنا، إما بالنذر فيما هو مندوب إليه، كالزهد والتنفل من الشهوات المبطرة للنفوس والموجب لاستصلاحها، فذلك يلزم عندنا، ويصير واجبا.
وأما مجرد ترك المشتهي من غير أن يترتب عليه لا قمع هوى مذموم ولا بعد عن اكتساب مأمور بتركه، ولا مطلوب شرعي أصلا، فلا يلزم عندنا إلا على تلك القاعدة التي حكاها الأصوليون. والمشهور عدم اعتبارها. وقد حكاها الإمام فخر الدين في آخر المحصول٦ فهذا تلخيص ما يجوز في شرعنا وما لا يجوز.
وأما الاستثناء فاختلف فيه، فالمشهور أنه متصل، وتقدير الكلام : " إلا ما حرم إسرائيل على نفسه، فإنه ليس يحل لبني إسرائيل، وإن إسرائيل عليه السلام لما حرم ذلك جاءت التوراة بتحريمه على بني إسرائيل ". فقد حكم بنقيض ما تقدم قبل " إلا " وعلى جثه٧. وقيل : إلا ما حرم إسرائيل على نفسه كان حراما عليه خاصة " فلم يحكم على هذا بالنقيض، فكان منقطعا وهو ضعيف، بل ما حرم إسرائيل على نفسه حرمه الله تعالى على بني إسرائيل. وإسرائيل هو يعقوب عليه السلام، اسمان لمسمى واحد. ( الاستغناء في الاستثناء : ٣١٠ إلى ٣١٣ )

١ - سورة نوح : ١٧..
٢ - ن : الدر المنثور : ٢/٩١-٩٢..
٣ - ن : تفسير ابن كثير : ١/٥٧١..
٤ - أخرجه أحمد في مسنده : ١/٣٧٣-٣٧٨..
٥ - قوله تعالى :إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم آل عمران : ٣٥..
٦ - قال الإمام الرازي :"اختلفوا في انه هل يجوز أن يقول الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم أو للعالم : احكم فإنك لا تحكم إلا بالصواب" ثم أفاض في ذكر مذاهب العلماء وأدلتهم في هذه المسألة، ن: المحصول: ٦/١٣٧. وما بعدها..
٧ - كذا في المصدر المطبوع..

جهود القرافي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير