ﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻ

(فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) أي مجازيكم، ولدلالة ذلك على المجازاة
جُعِلَ جواباً للشرط.
قوله تعالى: (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٣)
كان اليهود أنكروا تحليل النبي - ﷺ - لحوم الإِبل، وقالوا: إنها كانت محرّمة على إبراهيم على ما نطقت به التوراة، فكذبهم تعالى، وذكر أنها كانت محلّلة عليه وعلى أولاده إلى أن حرَّمها إسرائيل على نفسه، وهو يعقوب، - وأمرهم بإحضار التوراة، فامتنعوا، ولم يجسروا على ذلك،

صفحة رقم 715

لصدق ما أخبر تعالى به، وسبب تحريمه ذلك - قيل: إنما كان
مرضا أورثه لحم الإِبل فتركه، وحرّمه على نفسه تحريم المريض
طعاما لا يوافقه، لا تحريم شرع.
وقال ابن عباس والحسن: أصابه عرق النَّسا، فنذر أن يترك إن عافاه الله أشهى طعام إليه تقربًا إلى الله تعالى، وتحريم اليهود ذلك كان اقتداء منهم به،

صفحة رقم 716

وقيل: إنه لما حرَّم على نفسه حرّم الله عليهم، ولذلك قال:
(فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ) في الآية حجة
عليهم على هذا في جواز النسخ، لأنه حرَّم عليهم ما كان مباحا
في شريعة إبراهيم.
إن قيل: كيف حرَّم هو على نفسه ما كان

صفحة رقم 717

مباحا فأقره الله عليه، وحرّم النبي - ﷺ - جاريته فعاتبه ومنعه؟
قيل: إن إسرائيل إما أنه حرَّم على نفسه لحم الإِبل، لأنه لم يكن يوافقه.
وكان واجباً عليه تركه.
فإن الله تعالى جعل الطعام ليتوصل به إلى صلاح البدن.
وما يؤدي إلى فساده فواجب علينا تركه؟ وإما أنه حرَّم ذلك تقربا إلى الله كما يُحرم الصائم الطعام، وكما يُحرم المعتكف على نفسه بعض التصرفات، ولم يكن تحريم النبي - ﷺ - علي أحد هذين الوجهين، بل لما ذكره تعالى: (تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ)، ولأن في تحريم النبي - ﷺ - تضييع حق متعلق به للغير، وهو حق الجارية. وليس ذلك في فعل إسرائيل، وأيضاً فإن

صفحة رقم 718

إسرائيل لما حرَّم أشهى الطعام إليه قصد بذلك قمع الشهوة، وبنحو
ذلك يهذب الحكيم نفسه، والنبي - ﷺ - في تحريم جاريته تبع هوى غيره، وهو مرضاة أزواجه، وذلك مكروه، فلم يقرَّ عليه،

صفحة رقم 719

ذكر بعض الصوفية أن في ذلك تفضيلًا للنبي - ﷺ - من وجهين.

صفحة رقم 720

أحدهما: أنه لما حرَّم إسرائيل على نفسه ما أحبه أمضاه، وحرم
النبي - ﷺ - على نفسه فعافاه.
والثاني: أن بني إسرائيل ما كانوا يلتزمونه مما لم يكن قربة في الشريعة يلزمهم الوفاء به تشديدا عليهم، وعلى ذلك دل قوله: (مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ)
وقال - ﷺ -: "شددوا على أنفسهم فشدد الله
عليهم "، ورُفِعَ عن هذه الأمة ذلك فضيلة للنبي - ﷺ -. إن قيل: ما وجه اتصال هذه الآيات بعضها ببعض، لأنه ذكر أولا:
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ) الآيتين ثم ذكر: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) ثم عقبها بتحريم إسرائيل الطعام، وذم اليهود؟

صفحة رقم 721

تفسير الراغب الأصفهاني

عرض الكتاب
المؤلف

أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى

تحقيق

هند بنت محمد سردار

الناشر كلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى
سنة النشر 1422
عدد الأجزاء 2
التصنيف التفسير
اللغة العربية