ثم ذكر دلائل البعث والخروج، فقال :
وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَآ أَنتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
يقول الحق جل جلاله : ومن آياته الدالة على قدرته، الشاملة للبعث وغيره : أو : ومن علامات ربوبيته : أن خلقكم أي : أباكم من ترابٍ ؛ لأن أصل الإنشاء منه، ثم إذا أنتم بشر تنتشرون أي : ثم فاجأتم وقت كونكم بشراً منتشرين في الأرض، آدم وذريته.
قال القشيري : يقال : الأصل تُربة، ولكن العِبرَة بالتربية لا بالتربة. هـ. قلت : إذ بالتربية تغلب الروح على البشرية، ثم قال : اصطفى الكعبة، فهي خير من الجنة، مع أن الجنة جواهر ويواقيت، والكعبة حجر ومدر، أي : كذلك المؤمن الكامل، وإن كان أصله من الطين، فهو أفضل من كثير العوالم اللطيفة. ثم قال في قوله تعالى : ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً.. الآية : رَدَّ المِثْلَ إلى المِثْل، وربط الشكلَ بالشكل، وجعل سكونَ البعض إلى البعضِ، وذلك للأشباح والصُّورَ، والأرواح صحِبت الأشباح ؛ كرهاً لا طوعاً، وأما الأسرار فمُعْتَقَةٌ، لا تساكن الأطلال، ولا تتدنس بالأغيار. هـ.
قلت : وكأنه يشير إلى أن المودة التي انعقدت بين الزوجين إنما هي نفسية، لا روحانية، ولا سرية ؛ إذ الروح والسر لا يتصور منها ميل إلى غير أسرار الذات العلية ؛ إذ محبة الحق، جذبتها عن الميل إلى شيء من السّوى. واختلف الصوفية : هل تُخِلُّ هذه المودة بين الزوجين بمحبة الحق، أم لا ؟ فقال سهل رضي الله عنه : لا تضر الروح ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم :" حُبب إلي َّمن دنياكم ثلاث... " ١ فذكر النساء، إذا كان على وجه الشفقة والرحمة، لا على غلبة الشهوة. وعلامة محبة الشفقة : أنه لا يتغير عند فَقْدها، ولا يحزن بفواتها. وهذا هو الصحيح. والله تعالى أعلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي