ﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇ

الكلام هنا عن بدء الخلق، قال تعالى ومن آياته أن خلقكم... ٢٠ ( الروم ) بصيغة الجمع، والمراد آدم ثم حواء، ثم بث الله منهما رجالا كثيرا ونساء، فالعالم اليوم الذي يعد بالمليارات حين تعود به إلى الماضي لا بد أن تعود إلى اثنين هما آدم وحواء، فلما التقيا نشأ منهما النسل، لكن هل نشأ النسل من أبعاض ميتة خرجت من آدم، أم من أبعاض حية هي الحيوانات المنوية ؟
لو أن الحيوان المنوي كان ميتا لما حدث الإنجاب. إذن : جاء أولاد آدم من ميكروب أبيهم آدم، وانتشروا في الأرض وأنجبوا، وكل منهم يحمل ذرة من أبيه الأول آدم عليه السلام. وبالتالي فكل منا فيه ذرة حية من عهد آدم، وحتى الآن لم يطرأ عليها فناء أبدا، وهذا هو عالم الذر الذي شهد خلق الله لآدم، إنها أبعاضنا التي شهدت هذا العهد الأول بين الخلق والخالق سبحانه :
وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلون ١٧٢ ( الأعراف )
إذن : في كل منا الآن وحتى قيام الساعة ذرة حية من أبيه آدم، هذه الذرة الحية هي التي شهدت هذا العهد، وهي التي تمثل الفطرة الإيمانية في كل نفس بشرية، لكن هذه الفطرة قد تطمس أو تغلف بالغفلة والمعاصي.... الخ
والحق-سبحانه وتعالى- أخبرنا أنه يخلق الأشياء ويوجدها بكن إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون٨٢ ( يس ) إلا الإنسان، فقد بلغ من تكريمه أن سواه ربه بيده، وجعله خليفة له في الأرض، وتجلى عليه بصفات من صفاته، فأعطاه من قدرته قدرة، ومن علمه علما، ومن حكمته حكمة، ومن غناه غنى.
وربنا سبحانه حينما يخلقنا هذا الخلق يريد منا أن نستعمل هذه الصفات التي وهبها لنا، كما يستعملها هو سبحانه، فالله تعالى بقدرته خلق لنا ما ينفعنا، فعليك أنت بما وهبك الله من القدرة أن تعمل ما ينفع، والله بحكمته رتب الأشياء، فعليك بما لديك من حكمة أن ترتب الأشياء... وهكذا.
ونشير إلى أن القدرة تختلف، فقدرة تفعل لك، وقدرة عليا تجعلك تفعل بنفسك، هب أنك قابلت رجلا ضعيفا لا يقوى على حمل متاعه مثلا، فتحمله أنت له، فأنت إذن عديت إليه أثر قوتك، إنما ظل هو ضعيفا.
أما الحق- تبارك وتعالى- فلا يعدي أثر قوته إلى عبده فحسب، إنما يعدي له القدرة ذاتها، فيقوي الضعيف ؛ فيحمل متاعه بنفسه.
إذن : أعظم تكريم للإنسان أن يقول الخالق سبحانه : إنني خلقته بيدي في قوله سبحانه لإبليس :
قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي... ٧٥ ( ص )
ثم لك أيها الإنسان بعد هذا التكريم أن تكون كريما على نفسك كما كرمك الله، ولك أن تنزل بها إلى الحضيض، فنفسك حيث تجعلها أنت.
يقول تعالى : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم٤ ثم رددناه أسفل سافلين ٥ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات... ٦ ( التين ) فانظر لنفسك منزلة من المنزلتين.
وكلمة من تراب... ٢٠ ( الروم ) أي : الأصل الذي خلق منه آدم، والتراب مع الماء يصير طينا، فإن تعطن وتغيرت رائحته فهو حمأ مسنون، فإن جف فهو صلصال كالفخار، إذن : هذه هي العناصر التي وردت ومراحل خلق الإنسان، وكلها مسميات للتراب، وحالات طرأت عليها.
فإن جاء من يقول في مسألة الخلق بغير هذا فلا نصدقه ؛ لأن الذي خلق الإنسان أخبرنا كيف خلقه، أما هؤلاء فلم يشهدوا من خلق الإنسان شيئا، وهم في نظر الدين مضللون، يجب الحذر من أفكارهم ؛ لأن الله تعالى يقول في شأنهم :
وما كنت متخذ المضلين عضدا٥١ ( الكهف )
وبالله لو لم يخض العلماء في مسألة الخلق خلق الإنسان وخلق الشمس والقمر والأرض... الخ. لو لم تسمع بنظرية داروين أكانت تصدق هذه الآية ؟ وإلا لقالوا : أين المضللون الذين تكلم القرآن عنهم ؟ فهم إذن قالوا وطلعوا علينا بنظرياتهم، يريدون أن يكذبوا دين الله، وأن يشككوا فيه، وإذا بهم يقومون جميعا دليلا على صدقه من حيث لا يشعرون.
وعلى شاكلة هؤلاء الذين نسمعهم الآن ينكرون أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ويشككون في صحتها، هذه في الحقيقة ظاهرة طبيعية جاءت لتثبت صدق رسول الله ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يغفل هذه المسألة، إنما أخبر عنها ونبهنا إليها، وأعطانا المناعة اللازمة- الثلاثي الذي نسمع عنه من رجال الصحة.
يقول صلى الله عليه وسلم :" يوشك رجل من أمتى يتكئ على أريكته يحدث بالحديث عنى فيقول : بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال حللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله " ١.
لماذا ؟ لأن الله تعالى أعطاه تفويضا في أن يشرع لأمته، فقال تعالى : وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فنتهوا... ٧ ( الحشر ) فللرسول إيتاء، وللرسول أمر ونهي يجب أن يطاع بطاعتنا لله.
وتعالى لمن ينكر السنة ويقول : علينا بالقرآن- عندما يصلي المغرب مثلا واسأله : كم ركعة صليت المغرب ؟ سيقول : ثلاث ركعات، فمن أين علم أن المغرب ثلاث ركعات ؟ أمن القرآن الذي يتعصب له، أم من السنة التي ينكرها. إذن : كيف يتعبد على قول رسول الله ثم ينكره ؟
إذن : فالحق سبحانه وتعالى- بين مراحل خلق الإنسان من تراب، صار طينا، ثم صار حمأ مسنونا، ثم صلصالا كالفخار، ثم نفخ فيه الله من روحه، ونحن لم نشاهد هذه المسألة، إنما أخبرنا بها، ومن رحمته تعالى بخلقه، ولكي لا تحار عقولهم حينما تبحث هذه العملية يعطينا في الكون المشاهد توضح لنا الغيب الذي لم نشاهده.
ففي أعرافنا أن هدم الشيء أو نقض البناء يأتي على عكس البناء، فما بني أولا يهدم آخرا، وما بني آخرا يهدم أولا، وأنت لم تشاهد عملية الخلق، لكن شاهدت عملية الموت، والموت تقض للحياة.
ولك أن تتأمل الإنسان حينما يموت، فأول تقض لبنيته أن تخرج منه الروح، وكانت آخر شيء في بنائه، ثم يتصلب الجسد ويتجمد، كما كان في مرحلة الصلصالية، ثم يتعفن وتتغير رائحته، كما كان في مرحلة الحمأ المسنون، ثم تمتص الأرض ما فيه من مائية ليصير إلى التراب كما بدأه خالقه من تراب، إذن : صدق الله تعالى في المشهد حين بين لنا الموت، فصدقنا ما قاله في الحياة.
وكما أن التراب والطين هما أصل الإنسان فهما أيضا مصدر الخصب والنماء، ومخازن للقوت وهما مقوم من مقومات حياتنا ؛ لذلك لما تكلم القرآن عن التراب قال سبحانه : قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين ٩ وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها.... ١٠ ( فصلت ) يعني : في الجبال لأنها أقرب مذكور أو في الأرض عموما، لأن الرواسي في الأرض وقدر فيها أقواتها.... ١٠ ( فصلت )
فالقوت يأتينا من طينة الأرض، ومن التراب الذي يفتت من الجبال مكونا الطمى أو الغرين الذي يحمله إلينا ماء المطر، فالأرض هي أمنا الحقيقية، منها خلقنا، ومنها مقومات حياتنا.
وعجيب أن نرى من العلماء غير المؤمنين من يثبت صدق القرآن في مسألة خلق الإنسان من طين حين حللوا عناصر الأرض فوجدوها ستة عشر عنصرا هي نفسها التي وجدوها في جسم الإنسان، وكأن الحق سبحانه يجند من يثبت صدق آياته ولو من الكفار.
وصدق الله العظيم حين قال : سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق... ٥٣ ( فصلت ). وفي القرآن آيات تدل على معادلات لو بحثها ( الكمبيوتر ) الآن لا بد أن نؤمن بأن هذا الكلام من عند الله وأنه صدق.
تأمل ظاهرة اللغة، وكيف نتكلم ونتفاهم، فأنت إذا لم تتعلم الإنجليزية مثلا لا تفهمها ؛ وكذلك هو لا يفهم العربية. لماذا ؟ لأن اللغة وليدة المحاكاة، فما تسمعه الأذن يحكيه اللسان، وهي ظاهرة اجتماعية، فلو عاش الإنسان وحده لما احتاج للغة ؛ لأنه سيفعل ما يطرأ على باله وفقط.
أما حين يعيش في جماعة فلا بد له أن يتفاهم معهم، يأخذ منهم ويأخذون منه، يسمع منهم ويسمعون منه، حتى الأخرس لا بد من لغة يتفاهم بها مع من حوله، ويستخدم فعلا لغة الإشارة، وقد أقدره الله على فهمها.
والله سبحانه يبقي للإنسان المتكلم دلالات الإشارة في النفس الناطقة، فمثلا لو اضطررت للكلام وفي فمك طعام، فإنك تشير لولدك أو لخادمك مثلا ويفهم عنك ويفعل ما تريد.
إذن : فينا نحن الأسوياء بقايا خرس نستعمله، حينما لا يسعفنا النطق إذن : التفاهم أمر ضروري، واللغة وليدة المحاكاة ؛ لذلك نقول للولد الصغير : لا تخرج إلى الشارع، لماذا ؟ حتى لا تسمع أذنه كلاما قبيحا فيحكيه هو.
إذن : كيف تعلمت اللغة ؟ تعلمتها من أبي ومن المحيط بي، وتعلمها أي من أبيه، ومن المحيطين به، وهكذا. ولك أن تسلسل هذه المسألة كما سلسلنا التكاثر في الإنسان، وسوف نعود بالتالي إلى أبينا آدم عليه السلام، وعندها نقول : ومن علم آدم اللغة ؟ يرد علينا القرآن : وعلم آدم الأسماء كلها... ٣١ ( البقرة ) هذا كلام منطقي استقرائي يدل دلالة قاطعة على صدق آيات القرآن.
وقوله سبحانه : ثم إذا أنتم بشر تنتشرون٢٠ ( الروم ) ثم : أي بعد أن خلقنا الله من تراب تكاثر الخلق وتزايدوا بسرعة ؛ لأن السياق استعمل هنا( إذا ) الفجائية الدالة على الفجأة، والتي يمثلون لها بقولهم : خرجت فإذا أسد الباب، يعني : فاجأني، فالمعنى أنكم تتزايدون وتنتشرون في الأرض بسرعة.

١ أخرجه أحمد في مسنده (٤/١٣٢) والترمذي في سننه(٢٦٦٤) وابن ماجة في سننه (١٢) والدارقطني في سننه(٤/٢٨٦) من حديث المقدام بن معديكرب رضي الله عنه..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير