اتبعوا أهوائهم ؛ لأنهم اختاروا عبادة من لا منهج له. ولا تكليف، عبدوا إلها لا أمر له ولا نهي، لا يرتب على التقصير عقوبة، ولا على العمل ثوابا، وهذا كله من وحي الهوى الذي اتبعوه.
إياك أن تقدم الهوى على العقل ؛ لأنك حين تقدم الهوى يصير العقل عقلا تبريريا، يحاول أن يعطيك ما تريد بصرف النظر عن عاقبته. لكن بالعقل أولا حدد الهوى، ثم اجعل حركة حياتك تبعا له.
والبعض يظن أن الهوى شيء مذموم على إطلاقه، لكن الهوى الواحد غير مذموم، أما المذموم فهي الأهواء المتعددة المتضاربة ؛ لأن الهوى الواحد في القلب يجند القالب كله لخدمة هذا الهوى، فحين يكون هواي أن أذهب إلى مكان كذا، فإن القالب يسعى ويخطط لهذه الغاية، فيحدد الطريق، ويعد الزاد، ويأخذ بأسباب الوصول.
وهذا الهوى الواحد هو المعني في الحديث الشريف : " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به " ١ فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يمنع أن يكون للإنسان هوى تميل إليه نفسه وتحبه ؛ لأن ذلك الهوى يعينه على الجهاد والكفاح في حركة الحياة.
أما حين تتعدد الأهواء فلك محبوب، ولي محبوب آخر، فإنها لا شك تتعارض وتتعاند، والله تعالى يريد من المجتمع الإيماني أن تتساند كل أهوائه، وأن تتعاضد لا تتعارض، وأن تتضافر لا تتضارب، لأن تضارب الأهواء يبدد حركة الحياة ويضيع ثمرتها.
أما إن كان هواي هو هواك، وهو هوى ليس بشريا، إنما هوى رسمه لنا الخالق –عز وجل- فسوف نتفق فيه، وتثمر حركة حياتنا من خلاله ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ١٤ ( الملك )
وسبق أن قلنا : إن صاحب الصنعة في الدنيا يجعل معها كتالوجا يبين طريقة صيانتها، والحق –سبحانه وتعالى- هو الذي خلقك، وهو الذي يحدد لك هواك، وأول فشل في الكون أن الناس المخلوقين لله يريدون أن يضعوا للبشر قانون صيانتهم من عند أنفسهم.
ونقول : هذا لا يصح ؛ لأن الذي يقنن ويضع للناس ما يصونهم ينبغي أن تتوفر فيه شروط : أولها : أن يكون على علم محيط لا يستدرك عليه، وأنت أيها الإنسان علمك محدود كثيرا ما تستدرك أنت عليه بعد حين، ويتبين لك عدم مناسبته وعدم صلاحيته.
بل وتتبين أنت بنفسك فساد رأيك فترجع عنه إلى غيره، كما يجب على من يشرع للناس الهوى الواحد أن يكونوا جميعا بالنسبة له سواء، وألا ينتفع هو بما يشرع، وإلا لو كانت له منفعة فإنه سوف يميل إلى ما ينفعه، فلا يكون موضوعيا كما رأينا في الشيوعية وفي الرأسمالية وغيرها من المذاهب البشرية.
والحق –سبحانه وتعالى- هو وحده الذي لا يستدرك عليه ؛ لأن علمه محيط بكل شيء لا تخفى عليه خافية، والخلق جميعا الذين يشرع لهم أمامه سواء، وكلهم عباده، لا يحابى منهم أحدا، ولا يميز أحدا على أحد، وليس له سبحانه من خلقه صاحبة ولا ولد.
لذلك يطمئننا سبحانه بقوله : وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا٣ ( الجن )
وكأن الله تعالى يقول : اطمئنوا، فربكم ليس له صاحبة تؤثر عليه، ولا ولد يحابيه، فالصاحبة والولد نقطة الضعف، وسبب الميل في مسألة التشريع.
وكذلك هو سبحانه لا ينتفع بما يشرعه لنا، لأنه سبحانه خلقنا بقدرته، وهو الغني عنا لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين، إذن : فهو سبحانه وحده المستكمل لشروط التشريع، والمستحق لها سبحانه، وبيان الهوى الواحد الذي يجتمع عليه كل الخلق.
وسبق أن ذكرنا في مسألة التشريع أنه لا ينبغي أن تنظر إلى ما أخذ منك، بل قارن بين ما أخذت وما أعطيت، فالذي منعك أن تعتدي على الآخرين وأنت فرد واحد منع الخلق جميعا أن يعتدوا عليك، فالتشريع إذن في صالحك أنت.
إذن : لو علقنا لأخذنا هوانا الواحد من إله واحد هو الله – عز وجل – لكن الخيبة أنهم ما استمعوا هذا الكلام وما عقلوه.
بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم... ٢٩ ( الروم ) ظلموا لأنهم عزلوا الهوى الواحد، ونحوه جانبا، وأخذوا أهواء شتى تعارضت وتضاربت، فلم يصلوا منها إلى نتيجة.
وما ظلموا بالشرك إلا أنفسهم، والله تعالى يقول : إن الشرك لظلم عظيم١٣ ( لقمان ) ظلموا أنفسهم حينما أعطوها شهوة عاجلة ولذة فانية، وغفلوا عن عاقبة ذلك، فهم إما كارهون لأنفسهم، أو يحبونها حبا أحمق، وهذه آفة الهوى حينما يسبق العقل ويتحكم فيه.
وقوله تعالى : بغير علم... ٢٩ ( الروم ) أولا : ما هو العلم ؟ في الكون قضايا نجزم بها، فإن كان ما نجزم به مطابقا للواقع ونستطيع أن ندلل عليه- كما نعلم مثلا الولد الصغير : الله أحد، فإن استطاع أن يدلل عليها فهي علم، وإن لم يستطع فهي تقليد.
وكمن يقول مثلا : الأرض كروية وهي فعلا كذلك، أما من يكابر حتى الآن ويقول ليست كروية، والواقع أنها كروية، فهذا الجهل.
إذن : نقول ليس الجهل ألا تعلم، إنما الجهل أن تعلم قضية على خلاف الواقع ؛ لذلك نفرق بين الجاهل والأمي : الأمي خالي الذهن ليست لديه قضية من أساسه، فإن أخبرتها بقضية أخذها منك دون عناد، ودون مكابرة، أما الجاهل فعنده قضية خاطئة معاندة، فيحتاج منك أولا لأن تخرج القضية الفاسدة لتلقي إليه بالقضية الصحيحة.
فإن كانت القضية لا تصل إلى مرتبة أن نجزم بها، فتنظر : إن تساوي الإثبات فيها مع النفي فهي الشك، إذن : فالشك قضية غير مجزوم بها يستوي فيها الإثبات والنفي، فإن غلبت جانب الإثبات ورجحته فهو ظن، أما إن غلبت جانب النفي فهو وهم. فعندنا – إذن- من أنواع القضايا : علم، وجهل، وتقليد، وظن، ووهم.
فالحق سبحانه يريد الهوى الذي تخدمه حركة حياتنا هوى عن علم وعن قضية مجزوم بها، مطابقة للواقع، وعليها دليل، لكن ما دام هؤلاء قد اتبعوا أهواءهم المتفرقة، وأخذوها بدون أصولها من العلم، فسوف أكمل لهم ما أرادوا وأعينهم على ما أحبوا فمن يهدي من أضل الله... ٢٩ ( الروم ) فقد ألغوا عقولهم وعطلوها وعشقوا الكفر بعد ما سقنا لهم الأدلة والبراهين.
إذن : لم يبق إلا أن أعينكم على ما تعتقدون، وأن أساعدكم عليه، فأختم على قلوبكم، فلا يدخلها إيمان ولا يفارقها كفر، لأنني رب أعين عبدي على ما يريد، وهكذا يضل الله هؤلاء، بمعنى، يعينهم على ما هم عليه من الضلال بعد أن عشقوه، كما قال سبحانه : ختم الله على قلوبهم وسمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم٧ ( البقرة )
لذلك نحذر الذين يصابون بمصيبة، ثم لا يسلون، ولا ينسون، ويلازمون الحزن، نحذرهم ونقول لهم : لا تدعو باب الحزن مفتوحا، وأغلقوه بمسامير الرضا، وإلا تتابعت عليكم الأحزان ؛ لأن الله تعالى رب يعين عبده على ما يحب، حتى الساخط على قدره تعالى.
فالمعنى فمن يهدي من أضل الله... ٢٩ ( الروم ) يعني : من ينقذه ؟ ومن يضع له قانون صيانته إن تخلى عنه ربه وتركه يفعل ما بدا له ؟ لا أحد. وأنت إذا نصحت صاحبك وكررت له النصح فلم يطعك تتخلى عنه، بل إن أحد الحكماء يقول : انصح صاحبك من الصبح إلى الظهر، ومن الظهر إلى العصر، فإن لم يطاوعك ضلله- أو أكمل له بقية النهار غشا.
وسبق أن تحدثنا عن الطريقة الصحيحة في بحث القضايا لتصل إلى الحكم الصائب فيها، فلا تدخل إلى العلم بهوى سابق، بل أخرج كل ما في قلبك يؤيد هذه القضية أو يعارضها، ثم ابحث القضية بموضوعية، فما تقتنع به الموازين العقلية وترجحه أدخله إلى قلبك.
والذي يتعب الناس الآن أن نناقش قضية الإسلام مثلا وفي القلب ميل للشيوعية مثلا، فننتهي إلى نتيجة غير سليمة.
ثم يقول سبحانه : وما لهم من ناصرين٢٩ ( الروم ) يعني : يا ليت لهم من ينقذهم إن أضلهم الله فختم على قلوبهم، فلا يدخلها إيمان، ولا يخرج منها كفر، فليس لهم من الله نصير ينصرهم، ولا مجير يجيرهم من الله، وهو سبحانه يجير ولا يجار عليه.
تفسير الشعراوي
الشعراوي