والثالث أن يكون الموصوف محذوفا أي ومن آياته آية يريكم فيها البرق فحذف الموصوف والعائد ويجوز أن يكون التقدير: ومن آياته شيء أو سحاب ويكون الفاعل ضمير شيء المحذوف» والوجه الثاني هو الذي اخترناه وهو الظاهر والأبعد عن التكلف وهو الموافق لاخواته التي ذكر فيها الحرف المصدري.
[سورة الروم (٣٠) : الآيات ٢٧ الى ٢٩]
وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧) ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨) بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٩)
الإعراب:
(وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) الواو عاطفة وهو مبتدأ والذي خبر وجملة يبدأ الخلق صلة الذي والخلق في الأصل مصدر ولكنه إعادة الضمير في يعيده عليه بمعنى المخلوق فهو استخدام وسيأتي بحث هذا الفن الرفيع في باب البلاغة وهو الواو حالية أو عاطفة وهو مبتدأ وأهون خبره وعليه متعلقان بأهون وسيأتي السر في تذكير الضمير في قوله وهو مع أن المراد به الاعادة كما سيأتي
معنى أهون عليه وسر تأخير الجار والمجرور وهو عليه. (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) الواو عاطفة وله خبر مقدم والمثل مبتدأ مؤخر والأعلى صفة وفي السموات حال والأرض عطف على السموات وهو مبتدأ والعزيز خبر أول والحكيم خبر ثان.
(ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ) ضرب فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو ومعنى ضرب هنا جعل ولكم في محل نصب مفعول ثان ومثلا هو المفعول الأول ومن أنفسكم صفة لمثلا أي كائنا من أنفسكم فمن معناه الابتداء كأنه قال أخذ مثلا وانتزعه من أقرب شيء منكم.
(هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ) هل حرف استفهام ولكم خبر مقدم ومما حال من شركاء لأنه في الأصل نعت نكرة فقدم عليها وجملة ملكت صلة وأيمانكم فاعل ملكت ومن حرف جر زائد وشركاء مبتدأ مؤخر وفيما رزقناكم متعلقان بشركاء وما في مما ملكت بمعنى النوع والتقدير هل شركاء فيما رزقناكم كائنون من النوع الذي ملكت أيمانكم مستقرون لكم، فكائنون هو الوصف المتعلق به مما ملكت فلما قدم صار حالا ومستقرون هو الخبر الذي تعلق به ولكم.
(فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) الفاء واقعة في جواب الاستفهام وأنتم مبتدأ وفيه متعلقان بسواء وسواء خبر وجملة تخافونهم خبر ثان لأنتم أو في موضع الحال من ضمير الفاعل في سواء أي فتساووا خائنا بعضكم من بعض مشاركته له في المال، وكخيفتكم نعت لمصدر محذوف أي خيفة مثل خيفتكم والمصدر مضاف لفاعله وأنفسكم مفعول به للمصدر وكذلك نعت لمصدر محذوف أيضا ونفصل الآيات فعل مضارع وفاعل
مستتر تقديره نحن والآيات مفعول به ولقوم متعلقان بنفصل وجملة يعقلون صفة لقوم.
(بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ) حرف إضراب وعطف واتبع عطف على طريق الالتفات والذين فاعل اتبع وجملة ظلموا صلة الذين وأهواءهم مفعول به وبغير علم حال. (فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ) الفاء الفصيحة ومن اسم استفهام في محل رفع مبتدأ وجملة يهدي خبر ومن مفعول يهدي وجملة أضل الله صلة والعائد محذوف أي أضله الله والواو حرف عطف وما نافية ولهم خبر مقدم ومن حرف جر زائد وناصرين مجرور لفظا مبتدأ مؤخر محلا ويجوز أن تجعل ما حجازية عند من يجيز تقديم خبرها على اسمها.
البلاغة:
١- فن الاستخدام:
في قوله «وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده» فن الاستخدام كما قررنا في الاعراب وهو فن دقيق غامض المسلك وفيه قولان: الأول أن يأتي المتكلم بلفظة مشتركة بين معنين اشتراكا أصليا متوسطة بين قرينتين أو متقدمة عليهما أو متأخرة عنهما يستخدم كل قرينة منهما في معنى من معنيي تلك الكلمة المشتركة وهذا مذهب ابن مالك سواء كان الاستخدام بضمير أو بغير ضمير، قال الله تعالى «لكل أجل كتاب يمحو الله ما يشاء ويثبت» فإن لفظة كتاب تحتمل الأجل المحتوم والكتاب المكتوب وقد توسطت بين لفظي أجل، ويمحو إذ استخدمت أحد مفهوميها وهو الأجل بقرينة ذكر الأجل واستخدمت المفهوم الآخر وهو المكتوب بقرينة يمحو.
والقول الثاني انه اطلاق لفظ مشترك بين معنيين مطلقا فيريد بذلك اللفظ أحد المعنيين ثم يعيد عليه ضميرا يريد به المعنى الآخر أو يعيد عليه ضميرين يريد بأحدهما أحد المعنيين وبالآخر المعنى الآخر بعد استعماله في معناه الثالث وهذا هو المذهب المشهور في الاستخدام وهو طريقة صاحب الإيضاح ومن تبعه ومنه الآية التي نحن بصددها فقد أعاد الضمير وهو قوله «وهو أهون عليه» على الخلق بمفهومه الآخر وهو المخلوق لا بمفهومه الأول وهو المصدر ومنه قول البحتري:
| فسقى الغضا والساكنيه وان هم | شبوه بين جوانحي وضلوعي |
٢- وفي هذه الآية أيضا فن «المذهب الكلامي» وقيل ان أول من اخترعه الجاحظ وزعم أنه لا يوجد منه شيء في القرآن الكريم وهو مشحون به وتعريفه انه احتجاج المتكلم على ما يريد إثباته بحجة تقطع المعاند له على طريقة أرباب الكلام ومنه نوع منطقي تستنتج فيه النتائج الصحيحة من المقدمات الصادقة وقد ساق الرماني في إعجازه المترجم بالنكت وفي تفسيره الجامع الكبير في الضرب الخامس من باب المبالغة من الاعجاز: إخراج الكلام مخرج الشك للمبالغة في العدل للاحتجاج.
٣- سر تذكير الضمير:
تذكير الضمير:
تذكير الضمير في قوله «وهو أهون» مع أنه عائد على الاعادة صفحة رقم 499
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين بن أحمد مصطفى درويش