ﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵ

ثم يقول الحق سبحانه :
أما أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون٣٥
كلمة( أم ) لا تأتي بداية، لأنها أداة تفيد التخيير بين أمرين، كما تقول : أجاء زيد أم عمرو ؟ فلا بد أن تأتي بين متقابلين، والتقدير : أهم اتبعوا أهواءهم، أم عندهم كتاب أنزل إليهم فهو حجة لهم على الشرك ؟ وحيث إنهم لم ينزل عليهم كتاب يكون حجة لهم فلم يبق إلا الاختيار الآخر أنهم اتبعوا أهواءهم.
والفعل أنزلنا... ٣٥ ( الروم ) الإنزال يقتضي علو المنزل منه، وأن المنزل عليه أدنى، فالإنزال من علو الربوبية إلى ذل العبودية. ونحن لم نر الإنزال، إنما الذي تلقى القرآن أول مرة وباشر الوحي هو الذي رآه وأخبرنا به.
والأصل في الإنزال أن يكون من الله تعالى، وحين ينزل الله علينا إنما ليعطينا سبحانه شيئا من هذا العلو، سواء أكان العلو معنويا ؛ لأن الله سبحانه ليس له مكان، أم علوا حسيا كما في وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس.... ٢٥ ( الحديد )
والسلطان : من التسلط، وهي تدل على القوة، سواء أكانت قوة الحجة والبرهان، فمن أقنعك بالحجة والبرهان فهو قوي عليك، أو قوة قهر وإجبار كمن يرغمك على فعل شيء وأنت كاره، أما سلطان الحجة فتفعل وأنت راض ومقتنع.
وإذا استقرأنا كلمة سلطان نجد أن الله تعالى عرضها لنا في موقف إبليس في الآخرة، حين يتبرأ من الذين اتبعوه : وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم... ٢٢ ( إبراهيم )
أي : لم يكن لي عليكم سلطان حجة وإقناع أستحوذ به على قلوبكم، ولم يكن لي عليكم سلطان قهر، فأقهر به قوالبكم، والحقيقة أنكم كنتم( على تشويرة ) مجرد أن دعوتكم جئتكم مسرعين، وأطعتم مختارين.
وهذا المعنى يفسر لنا شيئا في القرآن خاض الناس فيه طويلا- عن خبث نية أو عن صدق نية- هذا في قوله تعالى مرة لإبليس ما منعك أن تسجد... ٧٥ ( ص ) ومرة أخرى : ما منعك ألا تسجد... ١٢ ( الأعراف )
فالأول تدل على سلطان القهر، كأنك كنت تريد أن تسجد فجاء من منعك قهرا عن السجود، والأخرى تدل على سلطان الحجة والإقناع، فلم تسجد وأنت راض ومقتنع بعدم السجود١.
وقوله تعالى : فهو يتكلم بما كانوا به يشركون٣٥ ( الروم ) أي : ينطق لما كانوا به يشركون، يقول : اعملوا كذا وكذا، فجاء هذا على وفق هواهم.

١ قال الإمام أبو يحيى زكريا الأنصاري في كتابه" فتح الرحمن يكشف ما يلتبس في القرآن" (ص١٣٧) طبعة دار الصابوني: "قولهإلا تسجد... ١٢(الأعراف) قال ذلك بزيادة "لا" كما في قوله تعالى:لئلا يعلم أهل الكتاب.... ٢٩(الحديد) وقال في "ص" بحذفها، وهو الأصل، فزيادتها هنا لتأكيد معنى النفي في "منعك". أو: لتضمين "منعك" حملك، وهي على الثاني ليست زائدة في المعنى"..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير