ﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧ ﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷ

الاستدلال بخلق السموات والأرض على وحدانية الله وإبطال الشرك
[سورة لقمان (٣١) : الآيات ١٠ الى ١١]
خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١١)
الإعراب:
بِغَيْرِ عَمَدٍ الباء في موضع نصب على الحال من السَّماواتِ. وتَرَوْنَها جملة فعلية في موضع جر على الصفة ل عَمَدٍ أي بغير عمد مرئية، فالضمير راجع إلى العمد، والعمد:
قدرة الله وإرادته، أو أن الضمير راجع إلى السموات، أي ليست هي بعمد، وأنتم ترونها كذلك بغير عمد، وحينئذ تكون الجملة مستأنفة لا محل لها.
فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ.. الياء في فَأَرُونِي المفعول الأول، وفَأَرُونِي: معلق عن العمل وماذا خَلَقَ: سد مسد المفعول الثاني. وماذا: ما: استفهام إنكار: مبتدأ، وذا بمعنى الذي مع صلته: خبره.
البلاغة:
وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ التفات من الغيبة إلى التكلم، تعظيما لشأن الرحمن، بعد قوله خَلْقُ وَأَلْقى وَبَثَّ.
هذا خَلْقُ اللَّهِ أي مخلوقه، من قبيل إطلاق المصدر على اسم المفعول مبالغة.
ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ الاستفهام للتوبيخ والتبكيت.
بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ الأصل أن يقال: بل هم، فوضع الظاهر موضع الضمير لزيادة التوبيخ.

صفحة رقم 137

المفردات اللغوية:
خَلَقَ السَّماواتِ استئناف كلام جديد بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها العمد: جمع عماد: وهو الأسطوانة التي يعمد بها أي يسند به، وتَرَوْنَها إما صفة العمد أي بغير عمد مرئية، أو يعود الضمير إلى السَّماواتِ، أي لا عمد لها أصلا، وأنتم ترونها بلا عمد، فهو استشهاد برؤيتهم لها غير معمودة رَواسِيَ جبالا ثوابت مرتفعة أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ أي لئلا تميد، أي تتحرك وتضطرب بكم وَبَثَّ نشر وفرق زَوْجٍ كَرِيمٍ صنف حسن، كثير المنافع. والآية دليل على عزة الله التي هي كمال القدرة، والحكمة التي هي كمال العلم، لتقرير أصل التوحيد.
هذا خَلْقُ اللَّهِ هذا الذي ذكر مخلوق الله فَأَرُونِي أخبروني يا أهل مكة وأمثالكم الكفار ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ماذا خلق الذين من غيره وهم آلهتكم التي أشركتموها بالله تعالى بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ بل: للانتقال والإضراب عن تبكيتهم إلى تسجيل الضلال عليهم، فهم في ضلال بيّن لا يخفى على ناظر، بإشراكهم. ووضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على أنهم ظالمون بإشراكهم.
المناسبة:
بعد قوله تعالى: وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ الدال على عزته وحكمته وكمال قدرته وعلمه وإتقان صنعه، ذكر الله تعالى الأدلة على قدرته العظيمة من خلق السموات والأرض وما فيهما وما بينهما، لتقرير وحدانيته، وإبطال الشرك، والتنبيه إلى وجوب اتباع الحق الذي جاءت به الرسل.
التفسير والبيان:
خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها أي من أدلة قدرته تعالى العظيمة، وحكمته السديدة أنه خلق السموات بغير أعمدة، لا مرئية ولا غير مرئية، والسموات كالأرض في الظاهر مبسوطة، وفي الحقيقة مستديرة، لقوله تعالى:
كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [الأنبياء ٢١/ ٣٣] والفلك: اسم لشيء مستدير، وهي على أي حال مخلوقة بقدرة الله، لا بالطبيعة، وهي فضاء والفضاء لا نهاية له، ولا تزول إلا بقدرة الله تعالى.

صفحة رقم 138

وليس لها عمد أصلا، بدليل رؤية الناس لها غير معمودة. وقيل: إن لها عمدا غير مرئية، والله عمدها بعمد لا ترى، وهي إمساكها بقدرته.
والخلاصة: أنه تعالى خلق السموات بغير أعمدة تستند إليها، بل هي قائمة بقدرة الله تعالى.
وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ أي وجعل في الأرض جبالا شوامخ ثوابت أرست الأرض وثقلتها لئلا تضطرب بأهلها، وتغمرها مياه البحار والمحيطات المحيطة بها، والتي تكوّن أكثر الكرة الأرضية.
وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ أي وذرأ فيها ونشر ووزع من أصناف الحيوان التي لا يحصي عددها، ولا يعلم أشكالها وألوانها إلا الذي خلقها.
وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً، فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ أي وأنزلنا من السحاب مطرا يكون سببا لإنبات كل صنف كريم، أي حسن المنظر، كثير المنفعة.
ثم وبخ الله تعالى أولئك المشركين الذين يتركون عبادة الخالق ويشتغلون بعبادة المخلوق، فقال:
هذا خَلْقُ اللَّهِ، فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ، بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي هذا الذي ذكر من المخلوقات هو من خلق الله وفعله وتقديره وحده لا شريك له في ذلك، والخلق بمعنى المخلوق، فأخبروني أيها الكفرة ماذا خلق الذين تعبدونهم من غيره من الأصنام والأنداد. وقوله: خَلْقُ واقع على هاء محذوفة، تقديره: فأروني أي شيء خلق الذين من دونه، أو أروني الأشياء التي خلقها الذين من دونه.
وبعد توبيخهم على شركهم، وصفهم تعالى بما يترتب عليه وهو الضلال، فهم

صفحة رقم 139

في شركهم وعبادتهم مع الله غيره في ضلال واضح، فقال: بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي بل هؤلاء المشركين بالله العابدون معه غيره في جهل وعمى وانحراف وكفر بيّن واضح ظاهر، لا خفاء به، ولا اشتباه فيه لمن تأمله، جعلهم في غاية الضلال الذي ليس بعده ضلال.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يلي:
١- الدليل على وجود الله وقدرته العظمى وحكمته البالغة: هو خلق السموات بغير أعمدة تستند إليها، وإنما أمسكها الله بقدرته وإرادته وخلق الأرض ذات الجبال الشوامخ الثوابت لئلا تضطرب بأهلها وجعلها ذات أنس بما وزّع فيها من أصناف الحيوان في البر والبحر والجو، ذوات الأشكال المختلفة، والمناظر البديعة، والأصوات المختلفة وإنزال الأمطار عليها لإنبات النباتات البهية المنظر، البديعة التكوين، الكثيرة المنافع، سواء بثمرها إن كانت مثمرة، أو بظلها المريح وخضرتها الممتعة للنظر والمفرحة للنفس، أو بجعلها أسبابا لزيادة المطر.
٢- أكد تعالى قدرته الخلاقة بأن هذا المذكور المعاين هو مخلوق الله من غير شريك، ثم تحدى ووبخ قائلا: أخبروني معاشر المشركين عما خلقت الآلهة المزعومة من الأصنام والأنداد، ثم وصفهم بالوصف الملازم لهم: وهو أن المشركين في خسران ظاهر.

صفحة رقم 140

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية