ﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵ

بعد ذلك يدخل لقمان في وعظه لولده مجال التكليف، فيقول له :
يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ( ١٧ ) .
هذه مسائل أربع بدأها لقمان بإقامة الصلاة، والصلاة هي الركن الأول بعد أن تشهد ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وعلمنا أن الصلاة لأهميتها فرضت بالمباشرة، ولأهميتها جعلت ملازمة للمؤمن لا تسقط عنه بحال، أما بقية الأركان فقد تسقط عنك لسبب أو لآخر، كالصوم والزكاة والحج، فإذا سقطت عنك هذه الأركان لم يبق معك إلا الشهادتان والصلاة، لذلك جعلها النبي صلى الله عليه وسلم عماد الدين.
ولذلك بدأ بها لقمان يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ.. ( ١٧ ) [ لقمان ] لأنها استدامة إعلان الولاء لله تعالى خمس مرات في اليوم والليلة، فحين يناديك ربك ( الله أكبر ) فلا ينبغي أن تنشغل بمخلوق عن نداء الخالق، وإلا فما موقف الأب مثلا حين ينادي ولده فلا يجيبه ؟ فاحذر إذا ناداك ربك ألا تجيب.
ثم تأمل النداء للصلاة الذي اهتدت إليه الفطرة البشرية السليمة، وأقرّه سيدنا رسول الله : الله أكبر الله أكبر، يعني أكبر من كل ما يشغلك عنه، فإياك أن تعتذر بالعمل في زراعة أو صناعة أو تجارة عن إقامة الصلاة.
وقد ناقشت أحد أطباء الجراحة في هذه المسألة، فقال : كيف أترك عملية جراحية من أجل الصلاة ؟ فقلت له : بالله لو اضطررت لقضاء الحاجة تذهب أم لا ؟ فضحك وقال : أذهب، فقلت : فالصلاة أولى، ولا تعتقد أن الله تعالى يكلف العبد تكليفا، ثم يضن عليه باتساع الزمن له، بدليل أنه تعالى يراعي وقت العبد ومصالحه وإمكاناته، ففي السفر مثلا يشرع لك الجمع والقصر.
فبإمكانك أن توفق صلاتك حسب وقتك المتاح لك، إما بجمع التقديم أو التأخير، وكم يتسع وقتك ويخلو من مشغولية العبادة إذا جمعت الظهر والعصر جمع تقديم، والمغرب والعشاء جمع تأخير في آخر وقت العشاء ؟ أو حين تجمع الظهر والعصر جمع تأخير، فتصليهما قبل المغرب، ثم تصلى المغرب والعشاء جمع تقديم ؟
إذن : المسألة فيها سعة، ولا حجة لأحد في ترك الصلاة بالذات، أما الذين يقولون في مثل هذه الأمور لا يكلف الله نفسا إلا وسعها... ( ٢٨٦ ) [ البقرة ] وأن هذا ليس في وسعي.. فنقول لهم : لا ينبغي أن تجعل وسعك هو الحكم، إنما التكليف هو الحكم في الوسع، وما دام ربك عز وجل قد كلفك فقد علم سبحانه وسعك وكلفك على قدره بدليل ما شرعه لك من رخص إذا خرجت العبادة عن الوسع.
وقال أَقِمِ الصَّلَاةَ.. ( ١٧ ) [ لقمان ] لأن الصلاة أول اكتمال في الإجماع لمنهج الله، وبها يكتمل إيمان الإنسان في ذاته، وسبق أن قلنا : إن هناك فرقا بين أركان الإسلام وأركان المسلم، أركان الإسلام هي الخمس المعروفة، أمّا أركان المسلم فهي الملازمة له التي لا تسقط عنه بحال، وهي الشهادتان والصلاة، وإن كان على المسلم أن يؤمن بها جميعا، لكن في العمل قد تسقط عنه عدا الصلاة والشهادتين.
ثم يبين لقمان لولده : أن الإيمان لا يقف عند حدّ الاستجابة لهذين الركنين الأساسيين، إنما من الإيمان ومن كمال الإيمان أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك، فيقول له : وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ.. ( ١٧ ) [ لقمان ] فانشغل بعد كمالك بإقامة الصلاة، بأن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فبالصلاة كملت في ذاتك، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تنقل الكمال إلى الغير، وفي ذلك كمال الإيمان.
وأنت حين تأمر بالمعروف، وحين تنهى عن المنكر لا تظن أنك تتصدق على الآخرين، إنما تؤدي عملا يعود نفعه عليك، فبه تجد سعة الراحة في الإيمان، وتجد الطمأنينة والراحة الذاتية ؛ لأنك أديت التكاليف في حين قصّر غيرك وتخاذل.
ولا شك أن في التزام غيرك وفي سيره على منهج الله راحة لك أنت أيضا، وإلا فالمجتمع كله يشقى بهذه الفئة القليلة الخارجة عن منهج الله.
ومن إعزاز العلم أنك لا تنتفع به الانتفاع الكامل إلا إذا عدّيته للغير، فإن كتمته انتفع الآخرون بخيرك، وشقيت أنت بشرهم. إذن : لا تنتفع بخير غيرك إلا حين تؤدي هذه الفريضة، فتأمر غيرك بالمعروف، وتنهاه عن المنكر، وتحب لهم ما تحب لنفسك، وبذلك تنال الحظين، حظك عند الله لأنك أديت، وحظك عند الناس لأنك في مجتمع متكامل الإيمان ينفعك ولا يضرك.
ولك أن تلحظ أن هذه الآية لم تقرن إقامة الصلاة بإيتاء الزكاة كعادة الآيات، فغالبا ما نقرأ : وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة.. ( ٤٣ ) [ البقرة ].
وحين نستقرئ كلمة الزكاة في القرآن الكريم نجد أنها وردت اثنتين وثلاثين مرة، اثنتان منها ليستا في معنى زكاة المال المعروفة النماء العام إنما بمعنى التطهر، وذلك في قوله تعالى في قصة الخضر وموسى عليهما السلام : أقتلت نفسا زكية بغير نفس.. ( ٧٤ ) [ الكهف ].
ثم قوله : فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما ٨١ ( الكهف )
والمعنى : طهرناهم حينما رفعنا عنهم بابا من أبواب الفتنة في دين الله.
والموضع الآخر في قوله تعالى : وحنانا من لدنا وزكاة.. ( ١٣ ) [ مريم ] فالمعنى : وهبنا لمريم شيئا نزكيها به ؛ ذلك لأن الزكاة أول ما تتعدّى من واجد لمعدم، ومريم لم تتزوج فهي معدمة في هذه الناحية ؛ لذلك وهبها الله النماء الخاص من ناحية أخرى حين نفخ فيها الروح من عنده تعالى.
وفي موضع واحد، جاءت الزكاة بمعنى زكاة المال، لكن غير مقرونة بالصلاة، وذلك في قوله تعالى : وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون ( ٣٩ ) [ الروم ].
وفي هذه الآية قال لقمان لولده : يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ.. ( ١٧ ) [ لقمان ] ولم يقل : وآت الزكاة، فلماذا ؟
ينبغي أن نشير إلى أن القرآن جمع بين الصلاة والزكاة، لأن الصلاة فيها تضحية بالوقت، والوقت زمن العمل، والعمل وسيلة الكسب والمال، إذن : ساعة تصلي فقد ضحيت بالوقت الذي هو أصل المال، فكأن في الصلاة تصدقت بمائة في المائة من المال المكتسب في هذا الوقت، أما في الزكاة فأنت تتصدق بالعشر، أو نصف العشر، أو ربع العشر، ويبقى لك معظم كسبك، فالواقع أن الزكاة في الصلاة أكبر وأبلغ من الزكاة نفسها.
إذن : لما كانت الزكاة في كل منهما، قرن القرآن بينهما إلا في هذا الموضع، ولما تتأمله تجده من دقائق الأسلوب القرآني، فالقرآن يحكي هذه الوصايا عن لقمان لولده، ولنا فيه ملحظان :
الأول : أن الله تعالى لم يكلف العبد إلا بعد سنّ البلوغ إلا في الصلاة، وجعل هذا التكليف موجها إلى الوالد أو ولي الأمر، فأنابه أن يكلف ولده بالصلاة، وأن يعاقبه إن أهمل في أدائها، ذلك ليربي عند ولده الدربة على الصلاة، بحيث يأتي سنّ التكليف، وقد ألفها الولد وتعوّد عليها، فهي عبادة تحتاج في البداية إلى مران وأخذ وردّ. وهذا أنسب للسنّ المبكرة.
والوالد يكلف ولده على اعتبار أنه الموجد الثاني له، والسبب المباشر في وجوده، وكأن الله تعالى يقول : أنا الموجد لكم جميعا وقد وكلتك في أن تكلف ولدك، لأن معروفك ظاهر عنده، وأياديك عليه كثيرة، فأنت القائم بمصالحه الملبّى لرغباته، فإن أمرته قبل منك وأطاعك، فهي طاعة بثمنها.
وطالما وكلتك في التكليف فطبيعي أن أوكّلك في العقوبة، فإن حدث تقصير في هذه المسألة فالمخالفة منك، لا من الولد ؛ لأنني لم أكلفه إنما كلفتك أنت.
لذلك بدأ لقمان أوامره لولده بإقامة الصلاة، لأنه مكلف بهذا الأمر، فولده ما يزال صغيرا بدليل قوله يا بني.. ( ١٧ ) [ لقمان ] فالتكليف هنا من الوالد، فإن كان الولد بالغا حال هذا الأمر فالمعنى : لاحظ التكليف من الله بإقامة الصلاة.
أما الزكاة، وهي تكليف من الله أيضا فلم يذكرها هنا وهذه من حكمة لقمان ودقة تعبيره، وقد حكاها لنا القرآن الكريم لنأخذ منها مبادئ نعيش بها.
ثانيا : إن كلفه بالزكاة فقال : أقم الصلاة وآت الزكاة فقد أثبت لولده ملكية، ومعروف أن الولد لا ملكية له في وجود والده، بدليل قول الرسول صلى الله عليه وسلم :( أنت ومالك لأبيك )١ وذكرنا أن لقمان لما علم بموت أبيه قال : إذن ملكت أمري٢ فأمره ليس ملكا له في حياة أبيه، لذلك لم يأمر ولده بالزكاة، فالزكاة في ذمته هو، لا في ذمة ولده.
وتتأكد لدينا هذه المسألة حين نقرأ قول الله تعالى : لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ.. ( ٦١ ) [ النور ].
فالله تعالى رفع عنّا الحرج أن نأكل من هذه البيوت، ونلحظ أن الآية ذكرت الأقارب عدا الأبناء، وكان الترتيب المنطقي أن يقول بعد أمهاتكم : أو بيوت أبنائكم، فلماذا لم يذكر هنا بيوت الأبناء ؟ قالوا : لأنها داخلة في قوله : بيوتكم، فبيت الابن هو بيت الأب، والولد وما ملكت يداه ملك لأبيه.
ثم يقول لقمان لولده : وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ.. ( ١٧ ) [ لقمان ] الصبر : حمل النفس على التجلد للأحداث، حتى لا تعين الأحداث على نفسك بالجزع، فأنت أمام الأحداث تحتاج إلى قوة مضاعفة، فكيف تضعف نفسك أمامها ؟
والمصيبة تقع إما لك فيها غريم، أو ليس لك فيها غريم، فالذي يسقط مثلا، فتنكسر ساقه، أو الذي يفاجئه المرض.. الخ هذه أقدار ساقها الله إليك بلا سبب فلا غريم لك فيها ؛ لذلك يجعلها في ميزانك : إما أن يعلى بها درجاتك، وإما أن يكفر بها سيئاتك ؛ لذلك كان الكفار يفرحون إذا أصاب المسلمين مصيبة، كما فرحوا يوم أحد، وقد ردّ الله عليهم وبيّن غباءهم، وقال سبحانه : قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا.. ( ٥١ ) [ التوبة ] وتأمل الجار والمجرور ( لنا ) ولم يقل كتب علينا، إذن : فالمصيبة في حساب ( له ) لا ( عليه ) فلماذا تفرحون في المصيبة تقع بالمسلمين ؟
وأوصى بالصبر بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن الذي يتعرض لهذين الأمرين لا بدّ أن يصيبه سوء من جراء أمره بالمعروف أو نهيه عن المنكر، فإن تعرضت للإيذاء فاصبر، لأن هذا الصبر يعطيك جزاء واسعا.
وتغيير المنكر له مراحل وضحها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله :( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان )٣.
فالله أمرك أن تغير المنكر، لكن جعل لك تقدير المسألة ومدى إمكانك فيها، فالدين يريدك مصلحا لكن لا يريد أن تلقي بنفسك إلى التهلكة، فلك أن تغير المنكر بيدك فتضرب وتمنع إذا كان لك ولاية على صاحب المنكر، كأن يكون ولدك أو أخاك.. إلخ.
فلك أن تضربه مثلا إن رأيت سيجارة في فمه، أو أن تكسر له كأس الخمر إن شربها أو تمزق ل

١ عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبي اجتاح مالي، فقال: "أنت ومالك لأبيك" وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أولادكم من أطيب كسبكم، فكلوا من أموالهم" أخرجه ابن ماجه في سننه (٢٢٩٢) وأحمد في مسنده (١/١٧٩). واللفظ لابن ماجة..
٢ أخرج عبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائد الزهد عن عبد الله بن دينار: إن لقمان قدم من سفر فلقيه غلام في الطريق فقال: ما فعل أبي؟ قال: مات. قال: الحمد لله ملكت أمري [الدر المنثور ٦/٥١٩]..
٣ أخرجه مسلم في صحيحه (٤٩) كتاب الإيمان، وأحمد في مسنده (٣/٢٠، ٤٩، ٥٢)، والترمذي في سننه (٢١٧٣) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير