تفسير المفردات : تتجافى : أي ترتفع وتبتعد، قال عبد الله بن رواحة :
وفينا رسول الله يتلو كتابه *** *** *** إذا انشق معروف من الصبح ساطع
يبيت يجافي جنبه عن فراشه *** *** إذا استثقلت بالمشركين المضاجع
والجنوب : واحدها جنب، وهو الشق، والمضاجع : واحدها مضجع وهو مكان النوم.
سورة السجدة
آيها ثلاثون
هي مكية إلا من آية ١٦إلى آية عشرين فمدنية، نزلت بعد سورة المؤمنين.
ووجه اتصالها بما قبلها من وجوه :
١ )اشتمال كل منهما على دلائل الألوهية.
٢ )إنه ذكر في السورة السالفة دلائل التوحيد، وهو الأصل الأول، ثم ذكر المعاد، وهو الأصل الثاني، وهنا الأصل الثالث، وهو النبوة.
٣ )إن هذه السورة شرحت مفاتيح الغيب التي ذكرت في خاتمة ما قبلها، فقوله : ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة ( السجدة : ٥ )شرح لقوله : إن الله عنده علم الساعة ( لقمان : ٣٤ )وقوله : أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز ( السجدة : ٢٧ )شرح لقوله : وينزل الغيث ( لقمان : ٣٤ )وقوله : الذي أحسن كل شيء خلقه ( السجدة : ٧ )تفصيل لقوله : ويعلم ما في الأرحام ( لقمان : ٣٤ )وقوله : يدبر الأمر من السماء إلى الأرض السجدة : ٥ )إيضاح لقوله : وما تدري نفس ماذا تكسب غدا ( لقمان : ٣٤ )وقوله : أئذا ضللنا في الأرض ( السجدة : ١٠ ).
شرح لقوله : وما تدري نفس بأي أرض تموت ( لقمان : ٣٤ ).
الإيضاح : ثم ذكر بقية محاسن أعمالهم بقوله :
تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون أي يتنحون عن مضاجعهم التي يضطجعون فيها لمنامهم، فلا ينامون، داعين ربهم خوفا من سخطه وعذابه، وطمعا في عفوه عنهم، وتفضله عليهم برحمته ومغفرته، ومما رزقناهم من المال ينفقون في وجوه البر، ويؤدون حقوقه التي أوجبها عليهم فيه.
قال أنس بن مالك :" نزلت فينا معاشر الأنصار، كنا نصلي المغرب، فلا نرجع إلى رحالنا حتى نصلي العشاء مع النبي صلى الله عليه وسلم ".
وعن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله :{ تتجافى جنوبهم عن المضاجع " قال : هي قيام العبد أول الليل.
وروى الإمام أحمد عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" عجب ربنا من رجلين : رجل ثار من وطائه ولحافه من بين حبه وأهله إلى ضلالته رغبة فيما عندي، وشفقة مما عندي ؛ ورجل غزا في سبيل الله تعالى فانهزم، فعلم ما عليه من الفرار، وما له في الرجوع، فرجع حتى أهريق دمه رغبة فيما عندي، وشفقة مما عندي، فيقول الله عز وجل للملائكة : انظروا إلى عبدي رجع رغبة فيما عندي، ورهبة مما عندي حتى أهريق دمه ".
وأخرج ابن جرير والحاكم وابن مردويه عن معاذ بن جبل قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فأصبحت يوما قريبا منه، ونحن نسير ؛ فقلت : يا نبي الله أخبرني عما يدخلني الجنة، ويباعدني عن النار. قال :" لقد سألت عن عظيم وإنه يسير على من يسره الله تعالى عليه - تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت " ؛ ثم قال :" ألا أدلك على أبواب الخير ؟ الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة، وصلاة الرجل في جوف الليل "، ثم قرأ :" تتجافى جنوبهم عن المضاجع " - حتى بلغ – " جزاء بما كانوا يعملون "، ثم قال :" ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه ؟ " فقلت : بلى يا رسول الله فقال :" رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله "، ثم قال :" ألا أخبرك بملاك ذلك كله ؟ " فقلت : بلى يا نبي الله، فأخذ بلسانه، ثم قال :" كف عليك هذا "، فقلت : يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به ؟ فقال :" ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم ".
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه قال في الآية :" تتجافى جنوبهم لذكر الله، كلما استيقظوا ذكروا الله عز وجل، إما في الصلاة، وإما في قيام أو قعود، أو على جنوبهم، لا يزالون يذكرون الله تعالى ".
وقال الحسن ومجاهد ومالك والأوزاعي وغيرهم إن المراد بالتجافي القيام لصلاة النوافل بالليل.
تفسير المراغي
المراغي