ﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞ

ثم يقول الحق سبحانه عنهم١ :
تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ( ١٦ ) . التجافي يعني الترك، لكن الترك قد يكون معه شوق ويصاحبه ألم، كما تودع حبيبا وتتركه وأنت غير زاهد فيه ولا قال٢ له، أما الجفوة فترك في كراهية للمتروك، فهؤلاء المؤمنون الذين يتركون مضاجعهم كأن جنوبهم تكره المضجع وتجفوه، لأنها تتركه إلى لذة أبقى وأعظم هي لذة الاتصال بالله ومناجاته.
ونذكر هنا أن الإمام عليا رضي الله عنه حينما ذهب ليدفن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها وقف عند قبر رسول الله وقال : السلام عليك يا سيدي يا رسول الله، قلّ عن صفيتك صبري، ورقّ عنها تجلدي، إلا أن لي في التعزي بعظيم فرقتك وفادح مصيبتك موضع تأسّ يعني : الذي تحمّل فقدك يا رسول الله يهون عليه أيّ فقد بعدك فلقد وسدتك يا رسول الله في ملحودة قبرك، وفاضت بين سحري٣ ونحري نفسك، أما ليلي فمسهّد، وأما حزني فسرمد٤، إلى أن يختار الله لي دارك التي أنت بها مقيم، هذا وستخبرك ابنتك عن حال أمتك وتضافرها على هضمها.. فأصغها السؤال، واستخبرها الحال. هذا ولم يطل منك العهد، ولم يخل منك الذكر.
ثم لما أراد أن ينصرف عن قبر حبيبه قال : والسلام عليك سلام مودّع، لا قال ولا سئم، فإن انصرف فلا عن ملالة، وإن أقم فلا عن سوء ظنّ بما وعد الله به عباده الصابرين.
فقوله تعالى : تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ.. ( ١٦ ) [ السجدة ] أي : تكرهها وتجفوها، مع أنها أعزّ ما يركن إليه الإنسان عند راحته، فالإنسان حين تدبّ فيه الحياة، ويستطيع أن تكون له قوة ونشاط يعمل في الحياة، فالعمل فرع وجود الحياة، وبالقوة يمشي، وبالقوة يحمل الأثقال.
فإذا ما أتبعه الحمل وضعه عن نفسه ليستريح، لكنه يستطيع أن يمشي بدون حمل، فإن أتعبه المشي وقف، فإذا أتعبه الوقوف جلس، لذلك يحدث أن تقول لصاحبك : لو سمحت احمل عني هذا الحمل فيقول : يا شيخ، هل أنا قادر أن أحمل نفسي ؟
إذن : التعب في هذه الحالة ناشئ من ثقل الجسم على القدمين فيتعبه الوقوف، ألا ترانا إذا أطال الإمام في الصلاة مثلا نراوح بين القدمين مرة على هذه، ومرة على هذه، ، أما القعود فيريح الإنسان ؛ لأنه يوسّع دائرة العضو المحتمل، فثقل الجسم في حالة القعود يوزع على المقعدة كلها، فإذا بلغ به التعب حدا بحيث أتعبه القعود فإنه يستلقي على جنبه، ويمد جسمه كله على الأرض فيتوزع الثقل على كل الأعضاء، فلا يحمل العضو إلا ثقله فقط.
فإن شعر الإنسان بتعب بعد هذا كله تقلّب على جنبه الآخر أو على ظهره، هذه كلها ألوان من الراحة لجسم الإنسان، لكنه لا يرتاح الراحة الكاملة إلا إذا استغرق في النوم، ويسمّون هذا التسلسل متواليات عضلية.
والدليل على أن النوم راحة تامة أنك لا تشعر فيه بالألم الذي تشعر به حال اليقظة إن كنت تتألم من مرض مثلا وهذه كلها متواليات يمر بها المؤمن، وبالتالي إذا مات استراح أكثر، ثم إذا بعث يوم القيامة ارتاح الراحة الكبرى، فهي مراحل نمر بها إلى أن نرتمي في حضن خالقنا عز وجل.
إذن : فالمضاجع آخر مرحلة في اليقظة، ولم تأت إلا بعد عدة مراحل من التعب، ومع ذلك شوق المؤمنين إلى ربهم ورغبتهم في الوقوف بين يديه سبحانه ينسيهم هذه الراحة، ويزهدهم فيها، فيجفونها ليقفوا بين يدي الله.
وفي موضع آخر قال تعالى عنهم : وكانوا قليلا من الليل ما يهجعون ( ١٧ ) [ الذاريات ] ثم يقول سبحانه : يَدْعُونَ رَبَّهُمْ.. ( ١٦ ) [ السجدة ] أي : يدعون ربهم وهم على حال التعب، كأن الدعاء مجرد الدعاء يريحهم، لماذا ولم يجابوا بعد ؟ قالوا : لأنهم وضعوا حاجاتهم وطلبهم عند قادر على الإنفاذ، ثم إن حلاوة لقائهم بربهم في الصلاة تنسيهم التعب الذي يعانون.
والمؤمنون يدعون ربهم خَوْفًا وَطَمَعًا.. ( ١٦ ) [ السجدة ] أي : خوفا مما حدث منهم من تقصير في حق الله، وأنهم لم يقدموا لله تعالى ما يستحق من التقوى ومن الطاعة وَطَمَعًا.. ( ١٦ ) [ السجدة ] أي : في المغفرة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ( ١٦ ) [ السجدة ] والمراد هنا الزكاة.
لذلك نرى في قوله تعالى : تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ.. ( ١٦ ) [ السجدة ] أن هذا التجافي كان بقصد الصلاة، لأن القرآن عادة ما يقرن الصلاة بالزكاة، فقال بعدها : وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ( ١٦ ) [ السجدة ].

١ سبب نزول الآية: أخرج البزار (٢٢٥٠ ـ كشف الأستار للهيثمي) عن بلال بن رباح أنه قال: كنا نجلس في المجلس وناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يصلون بعد المغرب إلى العشاء، فنزلت هذه الآية تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ.. (١٦) [السجدة]. وأورده السيوطي في أسباب النزول (ص ١٣٦) وزاه للبزار وضعفه بشيخه عبد الله بن شيب..
٢ قليته قلى: أبغضته وكرهته غاية الكراهة فتركته. والقلى: البغض. [اللسان ـ مادة: قلى]..
٣ السحر: الرئة والقلب. أي: أنها ماتت وهي مستندة إلى صدره. والنحر: الصدر وهو موضع القلادة منه. [اللسان]..
٤ السرمد: دوام الزمان من ليل أو نهار. والسرمد الدائم الذي لا ينقطع. [اللسان ـ مادة: سرمد]..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير